خبر : عزبة عبد ربه: مستقبل مجهول وأحلام مدفونة تحت ركام المنازل

السبت 19 سبتمبر 2009 02:14 ص / بتوقيت القدس +2GMT
عزبة عبد ربه: مستقبل مجهول وأحلام مدفونة تحت ركام المنازل



غزة / أوضاعنا تزداد صعوبة ولم يتحقق شيء من الوعود التي سمعناها بعد الحرب".. بهذه العبارة اختصر خليل الغرابلي "أبو طلال" ثمانية أشهر من المعاناة المتواصلة التي عاشتها عزبة عبد ربه شرق جباليا، إثر انتهاء الحرب الأخيرة على غزة.وقال الغرابلي (70 عاما) وهو يقف أمام ركام منزله وخيمة مهترئة إن وفوداً كثيرة جاءت هنا بعد انتهاء الحرب، وسمعنا كثيراً من الوعود لكنها تبخرت ولم يتحقق منها شيء، سوى مساعدات مالية في طريقها للنفاد.وأضاف وهو يفتح ما يشبه الباب ليرينا فناء خيمة مهترئة يتقاسمها مع خمس أغنام صغيرة "هذا هو منزلي الذي لم أغادره منذ أن انتهت الحرب"، وبعد أن مسح حبيبات عرق تجمعت فوق شعرات لحيته قال إن قوات الاحتلال دمرت منزله خلال الحرب مع عشرات من المنازل المجاورة بدون سبب، مضيفا أنهم ما زالوا ينتظرون أن يتم بناء منازل جديدة.ويمضي الغرابلي مع زوجته وعدد من أبنائه جل وقتهم في المكان الذي كان يضم منزلهم سابقاً، ومع حلول ساعات الليل يغادر الأبناء والزوجة المكان ليعيشوا عند أقاربهم، بينما يبقى "أبو طلال" وحيداً يحرس المكان.وكانت قوات الاحتلال اعتقلت الغرابلي ثلاث مرات منذ احتلالها قطاع غزة في العام 1967، إلا أن سنوات اعتقاله لم تشفع له ليعوض عنها بالعيش آخر أيام حياته في منزل هادئ بعيداً عن المعاناة اليومية.وقال: "لن أبقى في هذا المكان إن سنحت لي الفرصة للمغادرة، لا أريد أن أعيش هذه الحياة الصعبة القاسية".وأكد أنه لا يريد البقاء في قطاع غزة، وأنه مصمم على الهجرة وترك المكان، معتبرا أن ما عاناه وأسرته هنا يفوق طاقته وقدرته على الاحتمال.داخل منزل الغرابلي كل شيء كان يشير إلى الحياة الصعبة القاسية بدءاً من بقايا طعام السحور التي تحوم حولها أسراب الذباب، مروراً بالأغنام التي تأخذ حيزاً كبيراً من المكان، وليس انتهاءً بالفئران والجرذان التي تتقافز حوله خلال الليل، كما يقول.ويؤمن الغرابلي بأن ما فعلته إسرائيل في المكان يرقى إلى جرائم الحرب الكبيرة والواضحة، لكنه في الوقت نفسه يبدي شكوكاً في إمكانية تقديم قادة الاحتلال إلى محاكمات دولية، وتساءل: "من الذي سيقدمهم إلى المحاكمات الدولية في ظل هذا التأييد لإسرائيل وسياستها؟".ولا يبدو كلام الغرابلي عن إسرائيل خارجاً عن السياق في عزبة عبد ربه، فكل الناس هناك يأملون في أن يتم تقديم قادة إسرائيل إلى محاكمات دولية بسبب الجرائم التي ارتكبوها.وقال محمد (35 عاماً) وهو يزيل مع عدد آخر من العمال ركام أحد المنازل إن هذه لعبة مكشوفة لامتصاص غضب الأهالي، واستدرك قائلا: "آمل أن أرى قادة إسرائيل خلف قضبان السجن في محاكمات دولية".وبعد أن أشاح وجهه بعيداً نحو ركام المنازل المدمرة حوله أضاف: كل الذين يعملون هناك هم من المتضررين جراء الحرب الأخيرة، وبدلاً من أن يقدموا لنا المساعدات اشترطوا أن نعمل في إزالة ركام المنازل.وتدخل عامل آخر بدا غاضباً "الأمور صعبة للغاية والكل يتاجر بنا وبمعاناتنا".المزيد من التجوال في منطقة عزبة عبد ربه يظهر الكثير من المعاناة التي مرت بها المنطقة خلال الحرب التي راح ضحيتها عدد من أبناء المنطقة.ويتناقل السكان حتى الآن قصة طفلتين من عائلة خالد عبد ربه قتلتا بدم بارد من على مسافة قصيرة، رغم أنهما كانتا ترفعان راية بيضاء.على الطرف الشرقي لعزبة بيت حانون انهمك عبد السلام الشوبكي مع أربعة عمال لديه في طحن ركام المنازل لإعادة استخدامها في تصنيع "حجارة المنازل". وبعد أن انتحى بنا جانباً هرباً من ضجيج الآلة قال: قبل تسعة أيام عدنا إلى العمل في المصنع الذي تعرض للتدمير، وها نحن نقوم بطحن ركام المنازل لإعادة استخدامه في تصنيع "البلوك" بعد أن نضيف له مواد أخرى.وتابع: لا يمكن أن نواصل الجلوس في المنزل بدون عمل رغم الخسارة التي لحقت بنا قبل الحرب وخلالها.وكان الشوبكي يشغل نحو عشرين عاملاً، إلا أن العدد انخفض إلى النصف بسبب الدمار الذي حل بالمصنع خلال الحرب، وحتى يوم أمس لم يصل التيار الكهربائي إلى المصنع، فاستعاض عنه بمولد كهربائي لتشغيل الآلة.ويعتقد الشوبكي أن أحد أهداف الحرب الأخيرة على غزة تدمير الاقتصاد الفلسطيني، وقال إنهم يريدون أن نعمل داخل إسرائيل ولا يريدون أن نعمل داخل غزة، ويرغبون أن نمد أيدينا ونتوسل لإطعام أبنائنا وعائلاتنا.في عزبة عبد ربه يمكن سماع عشرات القصص المشابهة، لكن شيئاً واحداً يبقى عالقاً في الذاكرة، وهو المستقبل المجهول لهذه المنطقة وأحلام الناس التي دفنتها آلة الحرب الإسرائيلية تحت ركام منازلهم المدمرة.