كلما حاولت أن أجد عنوانا لهذا المقال أتجنب كلمة غزاوي أو غزازوة، إلا أن الواقع يملأ الحلق بالمرارة والعقل بالكآبة لما يجري على مسرح اللامعقول في طول الوطن وعرضه. وسأحاول أن أتفادى الحديث حول البعد السياسي في الوطن المحتل المقسم المسمّم وعن قيادة لم تتق الله في شعبها، مسنودة بحالة الاحتلال الذي يعطي كلا منهم ما يحتاجه من غطاء وحجج عبثية من مفاوضة الى مقاومة ويا قلب لا تحزن!؟وهنا فليسمح لي القراء أن أسرد باختصار، ماذا يعني ان تكون من سكان قطاع غزة ذي الثلاثمئة واثنين وستين كيلومترا مربعا، يقطنه مليون ونصف المليون إنسان تقريبا، وتركيبته السكانية تمثل من كان معظمهم يقطنون يافا شمالا مرورا باللد والرملة، وجنوبا الى بئر السبع وصحرائها بمدنه وقراه وباديته. ويشكل هذا الكم السكاني من هاجر الى القطاع أكثر’من سبعين بالمائة بالاضافة الى أهله الذين يشكلون باقي السكان. ولم يكن يطلق اسم غزازوة إلا على من كانوا في مدينة غزة حصرا وليس سكان القطاع ككل.إلا ان هذه الكلمة تتداول حاليا كجنسية لأبناء القطاع، وللأسف الشديد أصبحت أداة التعريف لكل من قطن غزة أو هاجر اليها أو ولد فيها. مع علم الجميع أن الراية والعلم الفلسطيني لم يجد مكانا يرفع فيه بعد نكبة 1948 إلا في هذا القطاع البطل، وهنا لا بد من التذكير على عجالة وبدون إجحاف بأهله وتاريخهم، أنصارا ومهاجرين، إذا جاز التعبير، وما يجعلني أسرد بعض تاريخ القطاع وأهله بعد أن سمعت بأذنيّ من يقول في السمع والجمع، لقد كانت القيادة في معظمها ومعظم الوقت من القطاع ولم نقل شيئا!وكأنه يطلب منا أن ننحى جانبا تاريخ الدم والشهادة والريادة وأن نصبح عبيدا للكوتة والمحاصصة والجغرافيا، وأن يدفع أهله ثمن تضحياتهم للانقسام والاحتلال والانحلال السياسي السائد، وهنا أريد أن أؤكد ان اهل قطاع غزة هم نموذج لنسيج الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولكن أتيحت لهم فرصة أن يكونوا رواد الكفاح بعد الهزيمة (النكبة 1948) فامتشقوا السلاح كأول رد اعتبار للشعب الفلسطيني، فكان هناك في القطاع أول علم وأول خلية فدائية وأول جيش وأول مقاومة وأول انتفاضة، وكان هذا مصدر الإلهام للثورة والثوار من ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو اياد وأحمد ياسين وأبو علي مصطفى وآلاف الشهداء والأسرى.لقد انبثق العمل الفدائي المسلح من القطاع كطليعة للشعب الفلسطيني حيثما تواجد وبنفس القوة اندفع فلسطينيو القطاع في المد القومي والتحرري الذي قاده الزعيم جمال عبد الناصر كحلفاء في التصدي للاستعمار والصهيونية.ولقد كان الثمن كبيرا وفادحا من مذابح الخمسينات، مرورا باحتلال القطاع في حرب السويس 1956، ومذابح خان يونس، وحرب حزيران (يونيو) 1967، التي قاتل فيها جيش التحرير قتال الأبطال، ولم يسقط القطاع إلا بعد وصول الجيش الاسرائيلي الى قناة السويس، وكان أول طيار إسرائيلي أسر في تلك الحرب في القطاع، وأول طيار قتل في القطاع، حين أجهز عليه الشيخ السبعيني بفأسه المرحوم سالم أبو مدين، ثم انطلقت من القطاع المقاومة الباسلة للاحتلال يوم 10 حزيران (يونيو) 1967، مع أول خلية قادها الشهيد زياد الحسيني، والشهيد عبدالقادر أبو الفحم، والمناضل موسى سابا، الموجه السياسي لقوات التحرير الشعبية آنذاك (أطال الله في عمره)، وكثيرون حملوا اللواء، وللاسف الشديد ان هذا السجل البطولي لأهالي القطاع الذي يعطيهم الحق ان يتيهوا فخرا وزهوا على الأمة بأسرها عربية واسلامية كان وبالا عليهم من الانظمة العربية وأجهزتها.ان معاناة أهل قطاع غزة ليست معبر رفح فقط، وإنما أينما تواجدوا، وذلك في حرية حركتهم في العالم العربي خاصة، وهذا يظهر بوضوح في جميع المطارات والمعابر والمخافر ومن عانى ليس كمن سمع.كيف يفرز الغزازوة ويطلب منهم الانتظار أو العودة او الترحيل او السجن، فهناك دول عربية تدعي الثورية والقومية وكل القاب النضال تمنع أهالي القطاع (الغزازوة) من دخول أراضيها حتى ولو كان يحمل جواز سفر غير فلسطيني ما دام مثبتا به أنه من مواليد القطاع او سكانها، وهناك دول تعذب أهل القطاع في رغيف الخبز وخاصة’بعض دول الخليج بعد أن أفنى الآلاف من الغزازوة عمرهم في تعليمهم القراءة والكتابة وسائر العلوم. يحرم الغزاوي من تعليم أولاده او تقديم الخدمات الصحية أو السكنية، ويتم الآن مطاردتهم بهدوء، وكثير منهم هاجروا الى أصقاع الارض والمنافي والمعازل على الحدود لعدم قدرتهم على العودة للقطاع أو اعطائهم اقامة أو رخصة قيادة سيارة بعد هذا العمر.رب قائل، ولكن كثيرا من التبرعات تصلكم (دفعت الدول’البترولية اكثر من 25 مليار لابن لادن والمجاهدين في أفغانستان)، نعم، انها تدفع الى السجن الكبير ولا تعني أكثر من ابقاء السجناء دون كرامة العمل ودون الاحساس وحرية الحركة والسفر للعلاج والتعليم والشعور بالكرامة الانسانية.وسأذكر مثالا واحدا لفقدان الآدمية: فلقد أخبرتني سيدة فاضلة انها اضطرت لاستعمال الفوطة الصحية الخاصة بأطفالها لقضاء حاجتها بعد مكوثها في الحافلة أكثر من ثماني عشرة ساعة، تنتظر العبور الى الجانب الآخر، دون أن تتاح لها فرصة استعمال دورة المياه.الحديث يطول عن معاناة الغزازوة والفلسطينيين، وأستطيع أن أسطر عشرات الأوراق عن هذا، لذا أقول للحكام والظلام العرب، ومنهم في رام الله وغزة: أنتم تشاركون في مسؤولية ما سبق ذكره، ويا خوفي ان يعاني أهل غزة في المطارات التي يتحدث عنها سلام فياض من نفس المعاملة، كما يعاني الغزاوي من سفارات فلسطين، فكثير من السفراء لا يمثل إلا وجهة نظر الدولة المبعوث اليها، حيث ان الامر سيطول بين الحكومات الفلسطينية، فنحن هنا نرفع الصوت لفضح المأساة، ونعلم ان لا توجد وصفة جاهزة، ولكن ما يؤلم هو عدم الاهتمام بما يجري، لذا نصرخ ألماً يا وحدنا، ونقول أغيثونا من ظلم ذوي القربى لا منة ولا منحة.اللهم اشهد أني قد بلغت.’ وزير’عدل’فلسطيني’سابق