لندن / كان حاله كحال الكثيرين من أبناء جيله الذي يتوق لاستكشاف الحياة خارج اسوار السجن الكبير المسمى غزة، لذلك لم يوفر الشاب أحمد (25 عاماً) الفرصة التي أتيحت له مطلع العام الماضي لمغادرة البلد الذي لم يعرف سواه فخرج طامعا في أكثر من مجرد مغامرة الاستكشاف، اذ كان يأمل أن تتاح له الفرصة لحياة كريمة خالية من الحروب والمتاعب وشبح الموت، حياة تضمن له ولأسرته العيش في مأمن من نوائب الدهر. كان زاده من المعرفة والتخطيط مقتصراً على روايات من سبقوه في هذا الدرب أما أحلامه وآماله فلم يكن في حاجة لمعونة من أحد في شأنها فعنده منها الكثير. قبل بضعة أيام بادر أحد المغتربين العرب في الدنمارك بالاتصال على ’القدس العربي’ يطلب منها أن تتولى الشاب أحمد بالعناية الاعلامية لعل ذلك يؤدي الى انهاء مأساته. وكان المغترب وهو طبيب من أصل فلسطيني قد صادف أحمد في مطار عمان الدولي في حالٍ يرثى لها فوعده بنقل معاناته الى وسائل الاعلام والجهات الحقوقية المهتمة.بادرنا بالاتصال على أحمد الذي استأمننا على اسمه الحقيقي الكامل ووسيلة الاتصال به للكشف عنها في الوقت المناسب للراغبين في مساعدته ووضع حد لمأساته. كما وافق على أن يروي لنا تفاصيل مأساته، مشدداً على أنه بات لا يطمع في شيء سوى العودة الى غزة حيث أسرته التي تنتظر عودته بقلق وصبرٍ فارغ. وكشف أحمد أن الأمور لم تكن ميسرة ولم تسر بالضبط وفقاً للروايات التي يتداولها من سبقوه، فأولى المحطات كانت مصر وهناك ألقى رجال الأمن القبض عليه ومنعوه من المكوث في المستشفى الذي كان يلوذ به مرافقاً لأحد الجرحى الذين جاءوا يطلبون العلاج والشفاء الذي عز في غزة المحاصرة. ولأنه لم يكن يتوافر على جواز سفر يؤكد هويته فقد اقتيد الى مكانٍ للحجز في مطار القاهرة الدولي لترحيله الى أقرب بلد يقبل به، الامر الذي طال قبل أن تعرب السلطات السورية عن عدم ممانعتها لدخوله أراضيها فمنحته لهذا الغرض تأشيرة دخول لمدة ثلاثة شهور. ولم تكن الظروف في سورية جيدة ولكنها كانت أفضل من الحجز المصري الى أن انتهت الشهور الثلاثة ورفض السوريون تمديد التأشيرة لمدة أخرى، الامر الذي اضطر أحمد الى العودة مرة أخرى الى مصر حيث كان الحجز في انتظاره من جديد ولا أفق لانفراج الازمة من خلال دولة تقبل بطلبه اللجوء اليها أو حتى مجرد دخول أراضيها، الأمر الذي دعاه لتقديم طلب دخول الأراضي الأردنية كخيارٍ أخير حيث يعيش بعض من أبناء أخواله هناك وبامكانه أن يحل ضيفاً عليهم لبعض الوقت ريثما تلوح بوادر انفراج أخرى. بعد شهور من الاقامة كزائر في الأراضي الأردنية توجب عليه أن يغادر فقد استنفد المسوغ القانوني لبقائه كما أنه لم يكن مرحباً به على حد قوله. ولم يجد الأردنيون من محطة ثانية لاعادته سوى مصر التي كان ينتظره فيها الحجز اياه في المطار. في هذه الاثناء تمكن الشاب المتحرق شوقاً لأن يبدأ طريق أحلامه في أرض دولة غير عربية من الحصول على تأشيرة لدخول أوكرانيا التي أعادته أدراجه من حيث أتى بعد أن أبطلت التأشيرة التي سبق ومنحته اياها، اذ لم تصدق أن فلسطينيا تبدو عليه مظاهر بؤس الحال يأتي لزيارتها سائحاً، فأعادته على متن الطائرة نفسها التي أتت به بعد أن أمضى أسبوعاً من الحبس والتحقيق في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لسلطات المطار.وأعادته مصر الى الاردن وهناك طال انتظاره هذه المرة اذ توجب عليه أن يبقى في مطار عمان الدولي بلا بصيص امل مدة 85 يوما حيث لم يسمح له بدخول اراضيها أو حتى عبورها الى الضفة الغربية عبر جسر الملك حسين رغم أن جواز سفره الذي أرسل له في وقت لاحق على مغادرته كان صادراً من رام الله. وخلال هذه الفترة كان الاردنيون جادين في البحث عن أي دولة تقبل استضافته الى أن لاح الأمل مؤخراً من اليمن التي منحته تأشيرة اليها.وقال أحمد الذي يتواجد حالياً في العاصمة صنعاء واصفاً حاله الينا انه حال ’يصعب على الكافر’ فهو يقاسم الغرفة غير المؤثثة التي يقيم فيها مع ثلاثة آخرين وأوضاعه مزرية الى الحد الذي بات لا يرجو معه شيء من الدنيا سوى أن يعود أدراجه الى غزة بعد رحلة العذاب والشقاء والذل والمهان التي مر بها، حيث والده مريض واخوته كلهم يصغرونه سناً وفي حاجةٍ لرعايته. وحول محاولة حل مشكلته من خلال الدوائر القانونية والحقوقية قال انه التقى بالعديد من ممثلي الجمعيات والمنظمات المعنية بشؤون حقوق الانسان خلال تواجده في مطار عمان الدولي الا أن أحداً لم يقدم له مساعدة حقيقية، وأبدى يأسه من أن تحل مشكلته ولكنه مع ذلك ناشد المسؤولين كافة لمد يد العون له ووضع حد لمأساته. وقال أحمد انه التقى بالعشرات بل المئات ممن يشاركونه وضعه الا أن بعضهم كان أوفر حظاً منه فوجد بلداً يستضيفه، وقال انه شهد بأم عينيه حالات في مطار القاهرة الدولي من فاقدي الاقامات وبينهم نساء يجري رفض دخولهن على طرفي الرحلة التي يسافرون عليها فالمصريون لا يسمحون لهم بدخول الاراضي المصرية ولا البلد الآخر يسمح لهم بالدخول بعد أن نفدت اقاماتهم، أما هو فقد أصبح من أصحاب السوابق لدى أجهزة الامن المصرية التي أدرجت اسمه على لوائح الممنوعين من دخول أراضيها بتاتاً، الامر الذي يجعل احتمال عودته الى غزة عبر مصر شبه حلم في الوقت الراهن، حيث يتشدد المصريون معه ولا يسمحون له بمغادرة المطار بتاتاً. ويقول أحمد ان أحلامه في السفر والنجاح قد ذهبت أدراج الرياح بل انه بات يصارع من أجل البقاء في ظل الاوضاع الصعبة التي يعيشها، ومع قرب نفاد ما يتوافر عليه من مال، وانعدام فرص الحياة الكريمة كليةً فهو غير مسموح له بالعمل والعائد الذي من الممكن أن يحصل عليه في حال توفرت له فرصة عمل لن يكفي لإعالته وأفراد أسرته. ونصح الشاب الذي بدا قانطاً وفي حالٍ معنوية متدنية الشبان من أمثاله بعدم المجازفة بأمانهم وانسانيتهم من أجل حياة أفضل ما لم يكونوا متيقنين تمام اليقين من الطريق التي سوف يسلكونها.