قضية إسراء غريّب أخلاقية...ريما كتانة نزال

الأحد 15 سبتمبر 2019 10:26 ص / بتوقيت القدس +2GMT


سلام لك ولجميع من سبقنك للسكن في باطن الأرض قبل الأوان. ستجدين بينهم من يمسّد على ظهرك المكسور ويمسح على أوجاعك. سلام لروحك التي قاومت الموت بشراسة قبل صعودها إلى السماء مبكراً دون ميعاد.
أما بعد:
وبعد طول انتظار كوْنيّ صدر قرار النيابة العامة. أضع بين يديك قراءتي المتشائلة له.. قد أكون أصبت في تشاؤلي أو جانبني الصواب، وقراءتي له قراءة مجردة من أي وهم أو طموح نظراً للسياق العام الذي أصبح ميؤوساً منه في الواقع الفلسطيني، فقد أضاءت قضيتك في طريقها على جوانبه المظلمة، لكنها ليست اكثر من تفاعل لحظي ويعود كل شيء إلى طبيعته الساكنة.
بدون شك ان التقرير انطوى على ايجابيات يمكن البناء عليها: حيث نفى بوضوح قصة وقوعك من شرفة البيت بما يجعله قصديا ومن فعل فاعل، واعتبر ان الضرب الذي تعرضت له أفضى إلى الوفاة، ومنح الجريمة وصف الجريمة المكتملة الأركان، موجهاً الاتهام الى الفاعلين.
ولكن ولكي أصدقك القول، فإن جانباً آخر للحقيقة بقي مفقوداً، افتقد القرار وضوحاً مطلوباً يُغلق الباب أمام تأويلات وفراغات قانونية من شأنها صنع التباسات وتكييفات واحتمالات، إذْ لم يُشر التقرير بدرجة كافية للجهات الرسمية والاشخاص الذين قصروا في حمايتك بما يقتضي مساءلتهم وفقاً لحجم أدوارهم . فما كان مُقَدراً لك الموت لو لم يتم الاتكاء على مسؤولية العائلة في تقرير مصيرك، بينما كان مرئياً لهم ان العائلة تشكل مصدراً مهدداً لحياتك، عدا عن مثالب أخرى متعلقة باحتمالات إسقاط العائلة للحق الخاص، وعدم تصنيف الجريمة كقتل مع سابق الإصرار والتعمد، إلى غير ذلك من قضايا ذات صلة بالدهاليز والالتواءات المعروفة.
يا إسراء:
في مطلق الأحوال ورغم ما اعتورَ القرار من مثالب فقد تولدت قناعة عامة لدى الوسط النسوي والمجتمعي عموما تمثل بالرضا عن فحوى القرار، وهو ما يعني ممكنات البناء عليه والمتابعة للفصول الأخرى، لاستكمال هذه المعركة، مع التأكيد أن عملية البناء مشروطة بتوفر الإرادة السياسية التي يكتنفها الضباب إزاء قضايا المرأة، ومشروطة باستمرار المتابعة والحراك الإعلامي والنسوي الذي يعود الفضل لهما في تحويلها الى قضية رأي عام يجب ان يتواصل فصولاً وبأشكال مختلفة لكي يبقى صوت العدالة عالياً، ولكي نصل الى حالة يتم الضغط  فيه على صانعي القرار بإعطاء مساحة اوسع من الاهتمام لقضايا النساء وحقوقهن وحمايتهن قبل ان يكون مصيرهن كمصيرك، ونعود لندخل مرة ثانية في دوائر المتاهة التي تبتلع الحقيقة أو تُميّعها.  
لم لا ؟ بإمكاننا ان نفعل ذلك، فأنت يا إسراء وقفت، دون دراية كافية، بجسدك المتداعي مادياً ومعنوياً، أمام المنظومة الثقافية العامة ومنظومتك الموحشة الخاصة، لكنك لم ترفعي الراية البيضاء وصمدت حتى النهاية. لم تتنازلي للوحوش الآدمية بل قاومتِ حتى الرمق الأخير؛ كما حاربوك حتى الموت، لأنك بتحديك شكلت خطراً على خطتهم الجهنمية وروايتهم الهابطة المفبركة التي اعتقدوا انهم من خلالها سيخرجون من القضية كالشعرة من العجين.
أنت يا إسراء، وقفت وحدك ضمن ميزان قوى عائلي مختل لصالح القتلة بحكم الثقافة الاجتماعية السائدة، الناجم عن التوظيف السّيئ للقوة تجاه الأضعف داخل كيان الأسرة، والتعصب للعادات والتقاليد التي تحطّ من قيمة المرأة للبقاء تحت السيطرة، لقد اعتقدت أن استقلالك الاقتصادي سيغير وضعك في حيزك الخاص، لم تعرفي أن التغيير لا يتحقق قبل توفير الحماية بالقوانين والتشريعات والسياسات، وكفّ يدّ أصحاب المصالح عن وقف التطور والتقدم.
المدهش في الأمر يا إسراء أن اليأس لم يتسرب إلى قلبك رغم أعمال الشعوذة والسحر الذي تسببت لك بالدُوار، كنت وحيدة أمامهم، لكن الوحدة والدوار كان لهما الفضل الأكبر في تحويل قضيتك إلى قضية رأي عام، بل قضية أخلاقية وانسانية من الطراز الأول، سيذكرها تاريخ النضال النسوي الفلسطيني كمحطة فارقة، والصراخ المتواصل الكاشف سيبقى صداه يتردد في المكان. لقد رسمتِ نهايتك وقدمتِ شهادتك قبل الموت التي كانت حاسمة في الضغط على التقرير وخروجها عن نطاقها المحلي.
أنت لم تستجدي أحداً، توجهت بالدعاء للإله الجبار المُخًلِّص، وحملت جسدك المتداعي إلى المرضى تنفين رواية الجن العاشق وتلبسه جسدك، وأشرت بيدك الممزقة نحو قاتلك.
سامحينا يا إسراء، لقد كنت أكثر شجاعة من الجميع، قاومت جماعة الجنّ حتى الموت، كانت الكلمة الأخيرة لك، جاعلة من موتك جسر عبور نحو الحياة..