بروتوكول باريس الاقتصادي إلى الواجهة..سامر سلامة

الخميس 03 يناير 2019 03:32 م / بتوقيت القدس +2GMT



وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقاً اقتصادياً مرحلياً مع الجانب الإسرائيلي في شهر نيسان 1994 عُرف باسم بروتوكول باريس الاقتصادي والذي جاء بعد توقيع اتفاقية السلام المرحلية أيضاً في شهر أيلول 1993 والمعروفة باسم اتفاق أوسلو. هذا الاتفاق الاقتصادي من المفترض أن ينظم العلاقة الاقتصادية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي خلال المرحلة الانتقالية التي انتهت فعلياً في شهر أيار من العام 1999. إلا أنه ومنذ العام 1994 فان العلاقة الاقتصادية بين الجانبين يحكمها هذا الاتفاق الذي يمكن وصفه بأنه اتفاق معطل ولا يلبي الحقوق الاقتصادية للجانب الفلسطيني.
 وخلال العشر سنوات الماضية ونتيجة لعدم التزام إسرائيل بهذا الاتفاق فان العديد من الاقتصاديين الفلسطينيين قد بدؤوا بإثارة هذا الموضوع والدعوة إلى إلزام إسرائيل بما جاء به وتعديله أيضاً لما فيه من إجحاف بحق الجانب الفلسطيني. حيث إن البعض ذهب أبعد من ذلك في انتقاده للاستمرار بالعمل بهذا البروتوكول، حيث وصفوه بأنه بروتوكول يعزز التبعية للاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتبر الأقوى والأكثر حداثةً. ومع تعثر ما يسمى بالعملية السياسية فان القيادة وفي اطار سعيها لتغيير الوضع القائم على كافة المستويات فانها قد بدأت بالمطالبة الفعلية لمراجعة هذا البروتوكول والزام إسرائيل بتطبيق بنوده بهدف التحرر من التبعية الاقتصادية لإسرائيل والسير نحو الاستقلال الاقتصادي على طريق التحرر السياسي. وقد طالب السيد الرئيس فعلياً من فرنسا راعية هذا الاتفاق للضغط على إسرائيل وإلزامها بتطبيقه وتعديله بما ينسجم والحقوق المشروعة للجانب الفلسطيني. وقد وافقت فرنسا على الطلب الفلسطيني مؤخراً وقدمت طلباً رسمياً لإسرائيل للجلوس الى طاولة الحوار مع الحكومة الفلسطينية. وإسرائيل كعادتها لم تقم بالرد على الطلب الفرنسي حتى الآن، وانما اكتفت بتصريح على لسان رئيس وزرائها بأنها تدرس الطلب.
 والسمعة السيئة لهذا الاتفاق الاقتصادي في الأوساط الفلسطينية تعزى لعدم التزام إسرائيل به، وليس لأن الاتفاق نفسه سيئ، بالرغم من وجود بعض البنود المجحفة بحق الجانب الفلسطيني التي تستدعي منا العمل على تعديلها. وباعتقادي فإنني أرى أنه من الضروري أولاً الضغط على إسرائيل عبر المحافل الدولية لتطبيق الاتفاق قبل الانخراط في مفاوضات لتعديل بنوده. وأعتقد أيضاً أنه اذا تم تطبيق الاتفاق بصيغته الحالية فإنناً سنحصل على العديد من الامتيازات التي ستساعد على دعم وتمكين الاقتصاد الفلسطيني واعطائه استقلالية أكبر مما هو عليه الآن، وبعد ذلك يتم العمل مع الجهات الدولية وخاصة فرنسا على طرح البنود المجحفة فيه للتفاوض بهدف التعديل لما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
 ومن القضايا التي لم تلتزم بها إسرائيل كلياً أو جزئياً (على سبيل المثال لا الحصر) بالرغم من الاتفاق عليها في البروتوكول هي أولاً: تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة التي توقف العمل بها منذ العام 2000. حيث من المفترض معالجة كافة القضايا الخلافية بين الجانبين من خلال هذه اللجنة، فمنذ ذلك التاريخ لم تجتمع اللجنة المشتركة سوى مرة واحدة في العام 2009 دون نتائج ملموسة، الأمر الذي أعطى لاسرائيل الفرصة للتعامل بفوقية مع الجانب الفلسطيني وفرض شروطها عليه في ظل غياب هذه اللجنة.
وثانياً: عدم التزام إسرائيل بسياسات الاستيراد المتفق عليها والتي تعطي للجانب الفلسطيني حق وحرية الاستيراد من الدول العربية والإسلامية بما يشمل استيراد البترول والكهرباء، بالإضافة الى حق التفاوض على أسعار وتفاصيل ومواصفات البضائع المستوردة دون تدخل الجانب الإسرائيلي، الأمر الذي لم ينفذ الا نادراً خلال الفترة الماضية.
 وثالثاً: تنكر الإسرائيليين لحق الجانب الفلسطيني في إدارة المعابر التجارية مع الأردن وقطاع غزة، وخاصةً ادارة الجمارك، الأمر الذي أفقد السلطة الفلسطينية السيطرة على الموارد الجمركية التي يجب أن تُجبى مباشرةً عبر المكاتب الفلسطينية دون تدخل من اسرائيل. 
ورابعاً: تعطيل اسرائيل لحق الفلسطينيين بإصدار عملة وطنية وفرض الشيكل الإسرائيلي كعملة للتداول في مناطق نفوذ الحكومة الفلسطينية، ولم يقتصر الموضوع عند هذا الحد، بل عملت اسرائيل على عدم ضخ السيولة النقدية من الشيكل وخاصة الفكة الى قطاع غزة، كما عملت على إتخام سوق الضفة بالشيكل نتيجة لعدم قبولها لاسترداد الفائض منه، الأمر الذي أدى الى وجود مليارات الشواكل لدى البنوك الفلسطينية دون استخدام. أما الضرائب فإن إسرائيل قد أوقفت الجباية من المناطق المصنفة «ج» لصالح السلطة الفلسطينية، وبهذا أفقدت السلطة مورداً مهماً من العائدات الضريبية، هذا بالإضافة الى استمرار إسرائيل باقتطاع ما نسبته 3% من العائدات الضريبية التي تجبيها بالنيابة عن السلطة واقتطاعات أخرى لتسوية بعض الديون المترتبة إما على الحكومة الفلسطينية أو المواطنين الفلسطينيين دون موافقة السلطة على ذلك. ولم تتوقف إسرائيل عند هذا الحد، بل أيضاً اتبعت سياسات خاصة منافية لما تم التوقيع عليه في بروتوكول باريس فيما يتعلق بالعمال الفلسطينيين وتسوية قضايا التأمين والزراعة والسياحة. فالاتفاق أعطى الجانب الفلسطيني حقوقاً خاصة ومهمة في هذه القطاعات الا أن إسرائيل لا تلتزم بها.
 وبالنتيجة فان إجبار إسرائيل على تنفيذ اتفاق باريس من خلال رعاة هذا الاتفاق أفضل بكثير من الذهاب الى مفاوضات لا نعلم متى تبدأ ومتى وكيف ستنتهي.   
وفي إطار تعزيز قدرتنا على إلزام إسرائيل بتطبيق بنود الاتفاق، فإنه من الضروري في هذه المرحلة وقف أي علاقة اقتصادية مع أية جهة إسرائيلية دون أن تكون مؤطرة في إطار رسمي بين الجانبين وذلك نحو ضبط العلاقة الاقتصادية مع الجانب الإسرائيلي لمنع التهريب أو التهرب الضريبي، وهنا أود التركيز على جانب العمل والعمال حيث يعمل الآن في سوق العمل الإسرائيلي أكثر من 90 ألف عامل فلسطيني بتصاريح عمل رسمية باتفاق ثنائي بين العامل الفلسطيني ومشغله الإسرائيلي، وهذا الموضوع أيضا ينسحب على التعامل المباشر بين تجار فلسطينيين وإسرائيليين دون وجود أي اتفاق تجاري بين الطرفين على المستوى الرسمي، الأمر الذي يضعنا دائماً تحت رحمة المشغل أو التاجر الإسرائيلي وثانياً، ضرورة إقحام فرنسا لتقييم مدى تطبيق الاتفاق الذي رعته ووقع على أراضيها بهدف الحصول على تقييم دولي لمدى التزام إسرائيل بتطبيق الاتفاق، حيث أن المشكلة تتمثل في تهرب إسرائيل من تطبيق بنود الاتفاق في العديد من الحالات، وثالثاً، البدء في الانفتاح على العالم الخارجي وخاصة العربي فيما يتعلق بالاستيراد وأهمها الوقود بعيداً عن إسرائيل، حيث يكفل البروتوكول حق الجانب الفلسطيني من استيراد حاجاته من الخارج وإلزام إسرائيل بتسهيل عملية الاستيراد عبر المحاكم الدولية، وأخيراً العمل على تعزيز الإنتاج المحلي نحو تعزيز استقلالية الاقتصاد الفلسطيني وتنظيم العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل بما ينسجم مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني.