أما الليل الذي لا ينجلي فهو ليل انقسامنا الدامس، وأما الصبح الذي لا ينبلج فصبح مصالحتنا الوطنية يفتتح نهاراً مضيئاً لوحدة وطنية شاملة وراسخة. مع التشديد على «وطنية».. وطنية لا ترتهن لدين سياسي وتعبيراته واستهدافاته التنظيمية والسياسية، ولا ترتهن لنهج تفاوضي وشروطه والتزاماته.
ترتهن فقط، الى الوطنية الفلسطينية، إلى قهر الاحتلال وتحرير الوطن، الى العودة وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
تجارب كثيرة لإنهاء الانقسام فشلت، تقافزت فوق سنين عديدة وتجولت على اكثر من عاصمة، وظلت مع كل فشل لها تعمق الانقسام وتوسّع مداياته ومفاعيله، وتُخرج لأهل الوطن العاديين، لسان القهر والمكايدة، تأكل من أعصابهم ومن آمالهم وثقتهم.
وظل الانقسام يتعمق ويتفاقم ويتخذ له تعبيرات وصور ولا اقبح.
وهل ما هو أقبح من تبادل حملات الاتهام التي لا تراعي حرمة ولا تاريخاً وطنياً ولا ثوابت؟ وهل ما هو اقبح من ندرة تقترب من الضياع للعلم الوطني الفلسطيني في مناسبات وطنية وسط طوفان اعلام التنظيم صاحب المناسبة؟
وفي المقابل، ظلت التجارب مع كل فشل، تعطي العدو جرعة اضافية من الاطمئنان يترجمها في رفع منسوب وحشيته وقهره وتوسعيّته وعنصريته على كل مستوى وفي كل مجال.
التصريحات الكبيرة باللغة الخطابية وأوزن الكلمات والصوت الجهوري، والمحملة بكل الاستعارات والمحسنات اللفظية من القادة ومسؤولي التنظيمات والناطقين باسمها، فقدت معانيها وقبولها بعد ان فقدت جديتها والالتزام بها.
اذا كنا في مثل هذه الأوضاع والظروف شديدة الخطورة والمحق على القضية الوطنية وشديدة القهر لأهلها بكل تعبيراتها وأشكالها المحلية والدولية المعروفة والمُعاشة بكل تفاصيلها، اذا كنا لا نقبر انقسامنا ولا نتوحد، فمتى يكون ذلك؟
اذا استطاعت التنظيمات الابتعاد عن ذواتها وانانيتها التنظيمية والشخصية، واذا استطاع بعضها التحرر من شبق السلطة والاستهدافات التنظيمية والسياسية الخاصة من ورائها فإننا سنجد:
- نظرياً على الأقل- فيما تعلنه في أدبياتها وبياناتها ومواقف قادتها والمصرحين باسمها اتفاقاً على العناوين المركزية في نضالنا الوطني بشكل عام، وربما مع اختلافات لا تمس الجوهر.
سنجد ان الكل منهم يتفق على:
- الهدف المرحلي للنضال الوطني وهو العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي 1967 وعاصمتها القدس الشريف.
- الحق في اللجوء الى كافة أشكال المقاومة كلّ حسب ظروفه وزمانه وإمكاناته.
- وحدة النضال الوطني الفلسطيني في جميع مناطقه وبكافة اشكاله في اطار منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الاطار والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني اينما تواجد ولكافة نضالاته.
وعلى ضرورة وحدة القيادة السياسية المنبثقة عن منظمة التحرير بتعبيراتها واجهزتها المختلفة.
- رفض « صفقة القرن» التي يعلن الرئيس الاميركي انه سيطلقها لخطرها الماحق على قضيتنا الوطنية واهلها، وعلى التصدي لها والنضال لاسقاطها.
- رفض ومناهضة - وان بتعبيرات مختلفة في وضوحها او حدتها - مؤشرات هجمة التطبيع التي تقوم بها دولة الاحتلال على المنطقة العربية وتلاقي مؤشرات للتجاوب، مهما كانت محدودة، من بعض دولها.
وتتفق على رؤية مخاطرها. بالذات لجهة قلب أولويات المبادرة العربية التي أكدت في نصها الأصلي على الأولوية المطلقة لإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس كشرط يسبق اي شكل للتعامل مع دولة الاحتلال.
- حتى إن بعض التنظيمات، والتنظيمين الرئيسيين والأكبر بالذات، يتفقان واقعياً على إمكانية التعامل مع دولة الاحتلال مباشرة او من وراء ستار الوسيط المقبول. سواء كان ذلك من باب الاتفاقات والمتطلبات الدولية او من باب أحكام واضطرارات الأمر الواقع والاحتياجات الحياتية الملحّة للناس.
يبقى صحيحاً تماماً، ان هناك حاجة ضرورية الى برنامج سياسي جديد يؤكد على الثوابت الاستراتيجية والمرحلية ويتعامل مع المستجدات التي افرزها واقع التجربة والممارسة. وتفرضه ضرورات التطور والتجديد.
مثل هذا البرنامج لا يمكن وضعه والاتفاق عليه وإقراره الا من موقع الوحدة.
تحضر ضرورة الوحدة الوطنية والحاجة الماسة لها بشكل اكثر إلحاحاً في هذه الأيام وظروفها القائمة. الشعب الواقع تحت الاحتلال في الضفة الغربية وفي غزة يرفع الى مستويات عالية جداً وتيرة نضالاته ضد الاستشراس غير المسبوق لدولة الاحتلال وأجهزتها المختلفة في كل المجالات التشريعية والسياسية والأمنية والاستيطانية والعنصرية والقمعية.
في الضفة بالذات، يأخذ الوضع شكل صراع مفتوح بين حركة الاستيطان الصهيوني مدعومة من دولة الاحتلال بكافة وزاراتها وأجهزتها، وبين أهل الوطن الممتلكين فقط لإيمانهم وإرادتهم وإصرارهم على التصدي للاحتلال وحركة مستوطنيه.
تصدي اهل الضفة يتخذ حتى الآن شكل العمليات الفردية البطولية، والتصدي بمجموعات صغيرة ومناطقية ومتفرقة لقطعان المستوطنين ولقوات الاحتلال المقتحمة.
لم يصل التصدي البطولي بعد الى الشمولية والمبادرة والتنظيم المخطط والمتكامل في عموم الضفة. وهناك جاهزية عالية لدى الناس للوصول الى هذا المستوى.
لكن الوصول الى هذا المستوى يشترط/يحتاج الى توفر وحدة وطنية تمكّن من النضال المشترك الشامل والمبرمج تقوده وتخطط له قيادة وطنية موحدة من كل التنظيمات وقوى وشخصيات مجتمعية ليتقدم بثقة على طريق انتفاضة عامة، تكرر بطولات الانتفاضة المجيدة وأمجادها وانجازاتها العظيمة.
هذا الشرط/ الاحتياج الضروري، للأسف، غير متوفر حتى الآن، ولا تلوح بالأفق احتمالات جدية لتوفره. وهذا ما يعيدنا الى مربع الضرورة الاستثنائية والحاسمة لإنهاء الانقسام واستعادة وحدتنا الوطنية.


