في خطاب افتتاحه لدورة المجلس المركزي، قال الرئيس أبو مازن: "إن المرحلة التي نمر بها قد تكون الأخطر على القضية الوطنية. إننا أمام لحظة تاريخية فإما أن نكون أو لا نكون. ودعا إلى التوحد خلف منظمة التحرير الفلسطينية، والتمسك بالوحدة، والترفع عن الجراح.
أي نظرة لما حولنا، وإلى دواخلنا، تؤكد صواب ما قال. صواب وصف الأخطار وفداحتها لا يجوز أن يبقى كلاماً مرسلاً ولإراحة الضمير، بل يجب أن يقود إلى استحقاقات وطنية، أكثرها إلحاحاً امتلاك درجة استثنائية من صحة وبعد النظر لطريقة التصدي للأخطار.
وهذه تقود إلى وجوب البعد عن الذات وأولوياتها ومصالحها، لصالح الجماعة والمشترك في الإطار الوطني العام. ويجب أن تدفع باتجاه توفير وحدة الرؤيا ووحدة برنامج التصدي للخطر ووحدة العمل المتكامل.
وتستدعي كذلك، أن تكون المواجهة بأوسع إطار من المجتمع الفلسطيني بكافة أشكال تأطيره وتنظيم فعله.
انعقد المجلس المركزي في نفس الأجواء التي انعقدت فيه دورته السابقة، وهي أجواء ترتفع فيها درجة التشكيك في الشرعية الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها المركزية، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة.
وإذا كنا نرى بكامل بصرنا وبصيرتنا شدة الخطر واستحقاقاته، فإننا لا بد أن ندرك أنه ليس من مصلحة أي طرف وطني، ولا من حقه، التشكيك في الشرعية الوطنية الفلسطينية الجامعة، شرعية منظمة التحرير وهيئاتها المركزية المؤسسة.
وبالمطلق، لا يمكن أن يكون التشكيك بالشرعية من مصلحة الوطن وقضيته الوطنية ولا في مصلحة أي مواطن يؤمن بتحرير وطنه.
في مسار التشكيك بالشرعية تسقط كل التبريرات والتفسيرات، لأن الضرر يطال بشكل فادح القضية الوطنية ويطال الكل الوطني بآثاره المدمرة.
والكل في مثل هذه الحالة يتحمل قسطاً متفاوتاً من المسؤولية حتى لو اقتصرت على التقاعس أو قلة الحيلة والصمت العاجز.
لم تصل الأمور أبداً إلى التشكيك بالشرعية منذ تم الاتفاق الوطني العام والشامل على أن منظمة التحرير هي البيت الشرعي الوحيد والجامع للكل الوطني الفلسطيني، ولا في أي من مراحل النضال الوطني بكل ما واجهه من خلافات، كثير منها أساسية.
ظل هناك دائماً مسلمة قائمة لا تخرق ولا تمس، هي حرمة الدم الفلسطيني، وكان إلى جانبها وملتصق بها مسلمة أخرى هي وحدة النضال الوطني الفلسطيني في إطار شرعيته الواحدة والوحيدة منظمة التحرير.
حتى في اللحظة الحالية، لحظة انعقاد دورة المجلس المركزي، يجب التمييز بدقة بين قوى تقاطع لمبررات وخلافات تتعلق بسياسات ومواقف، وبطرق وأساليب إدارة الشأن العام، لكنها تبقى في موقع الالتزام الراسخ بالشرعية الوطنية الموحدة والواحدة ممثلة بمنظمة التحرير... وبين قوى أخرى تقاطع من موقع التشكيك بالشرعية الفلسطينية وتمثيلها، مع استعداد واضح للخروج عليها وخلق بديل أو مواز لها إذا ما فشلت بالسيطرة عليها والتحكم بها.
حضر أعمال دورة المجلس 112 عضواً من أصل 143 وغاب 31. بالقراءة الرقمية فإن النصاب متحقق بارتياح. أما إذا أدخلنا في الحسبة البعدين السياسي والتمثيلي ومعهما التاريخي فإن القراءة تختلف.
غياب الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وربما عدد من الشخصيات الوطنية مثلاً، يحسب بالثقل النضالي والسياسي والتاريخي المؤثر والفاعل لهما في المركز من منظمة التحرير، فقد ظلتا طوال عمر المنظمة ركنين أساسيين ودائمين من أركان وجودها ووحدتها وشرعيتها ووحدانية تمثيلها، ومن أركان الصدّ عنها كتفاً بكتف مع القوى الأخرى. بكل ذلك يأخذ غيابهما بعداً ومعنى وثقلاً يتخطى كثيراً الرقم المحدود لعضويتهما بالمجلس المركزي.
لم تخرج عن المجلس نتائج درامية في جدتها أو في إشكاليتها.
المجلس بنتائجه المعلنة:
- أكد على التمسك بالثوابت الوطنية المعروفة، وعلى رفض ومجابهة "صفقة القرن" ورفض التعامل مع أميركا كوسيط.
- أكد أو أعاد التأكيد على قرارات مهمة وضرورية لدورات سابقة، وعلى مواقف سبق الإعلان عنها مع الدخول ببعض التفاصيل التأكيدية.
الجديد هو أن المجلس شكّل لجنة لدرس تنفيذ القرارات.
د. صائب عريقات كان صريحاً حين قال: "اللجنة ستبدأ بتنفيذ كل هذه القرارات تدريجياً، ولن يكون هناك قفز في الهواء، لأن المسائل لا تتعلق بشعارات وإنما بمصالح وطنية عليا".
ونضيف إلى قوله، إنها ببركات أوسلو، تتعلق مباشرة بكثير من تفاصيل مسار الحياة اليومي للناس وعيشهم، ما يزيد من صعوبة التعامل معها.
أما حول المصالحة وإنهاء الانقسام، فالمجلس المركزي:
- حمّل حركة "حماس" المسؤولية الكاملة عن عدم الالتزام بتنفيذ جميع الاتفاقات وإفشالها، وآخرها اتفاق تشرين الأول 2017.
- وأعاد التأكيد أن التهدئة مع الاحتلال مسؤولية وطنية لمنظمة التحرير.
- وأن معالجة الوضع في غزة من مختلف جوانبه ينطلق من المعالجة السياسية بإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، ورفض ما يطرح تحت مسمى مشاريع إنسانية.
لكن اللافت أن المجلس لم يتعرض لموضوع المجلس التشريعي الفلسطيني وشرعيته وحلّه. وكانت هذه بادرة إيجابية إذ جنبت الساحة الوطنية إضافة قضية خلافية جديدة يمكن التقرير بشأنها في أجواء افضل، خصوصاً أنها شديدة الجدلية والحساسية والإشكالية.
أما المبادرة الإيجابية الثانية، فكانت عدم التطرق وإقرار فرض عقوبات جديدة على سلطة الأمر الواقع القائمة في غزة، لأن عبء وأذى مثل هذه العقوبات سيقع بثقله الأساسي على المواطنين الفلسطينيين العاديين في القطاع.
ويا حبذا، لو بادر المجلس إلى إقرار عمل اللازم لتحسين الأوضاع الحياتية الحيوية لأهلنا في غزة.
ماذا بعد المجلس؟ هل يكون هناك انفتاح لآفاق تحركات إيجابية في مصلحة استعادة الوحدة الوطنية وتعزيز قدرة التصدي للمخاطر الموصوفة؟


