هاجس العودة «مأساة النرجس... ملهاة الفضة» ..عادل الأسطة

الأحد 01 أبريل 2018 03:10 م / بتوقيت القدس +2GMT


في الثلاثين من آذار 2018، ارتقى من الفلسطينيين ستة عشر شهيداً وجرح أكثر من ألف. إنها الذكرى الثانية والأربعون ليوم الأرض، وهاجس العودة إلى الوطن هاجس يعود إلى سبعين عاماً خلت لا إلى 42 عاماً. 
منذ هُجّر الفلسطينيون من أرضهم وهم يتطلعون إلى العودة إليها، ومنهم من لم يكتف بالأمنيات، بل سعى سعياً حثيثاً إلى إنجاز فعل العودة. منهم من نجح في ذلك ومنهم من سقط صريعاً برصاص العدو. 
ثمة أدبيات فلسطينية عديدة أتى مؤلفوها فيها على وصف رحلة عودتهم الشخصية، ليس أولها رواية أميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" 1974، وليس آخرها كتاب محمود درويش "في حضرة الغياب" 2007. كلا الكاتبين وصف رحلة عودته متسللاً في العام 1948/ 1949. 
مؤخراً قرأت كتاب الإسرائيلي (هلل كوهين) "العرب الصالحون" ووجدت فيه معلومات طريفة عن عودة ما لا يقل عن 20 ألف فلسطيني، بعد قيام إسرائيل، إلى مدنهم وقراهم، حتى لو اضطر هؤلاء أو بعضهم إلى التعاون مع مخابرات الدولة الناشئة، وكان الصادم في الكتاب ما ورد عن تعاون فلسطينيين كانوا في 1936 من قيادات الثورة. 
حلم العودة الفلسطيني لم يقتصر على أهلنا ممن هجروا من أرضهم في العام 1948، فلقد سرى منهم إلينا نحن الذين ولدنا في المخيمات وفي المنافي. لقد ظللنا ننظر إلى أماكن سكننا على أنها أماكن مؤقتة عابرة، فالمكان الأصلي لنا هو مدن الآباء والأجداد. 
دام المؤقت "أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟ / وطالت نباتات البعيد"، ومع ذلك ما زال حلم العودة يلح على أذهاننا ويراود مخيلاتنا. وقد تجسد يوم الجمعة الماضي في غزة، كما تجسد من قبل سنوات على الحدود السورية واللبنانية. 
في حوار لي مع الشاعر محمود درويش، بعد عودته إلى رام الله، إثر اتفاق أوسلو، قال لي: 
لقد تخيلت حلم العودة قبل سنين وعبّرت عنه، بل لقد صوّرت عودتنا. وذكر لي الشاعر قصيدته "مأساة النرجس.. ملهاة الفضة"، التي نشرها في ديوانه "أرى ما أريد "1990، ولقد رأى ما أراد وعبّر عنه. 
افتتح الشاعر قصيدته بتصوير مشهد العودة: "عادوا"، وأتى على العودة كحق طبيعي إلى حياة طبيعية. العودة إلى ما كان. العودة بعد غياب طويل. العودة إلى مألوف الحياة: 
عادوا
من آخر النفق الطويل إلى إلى مراياهم.. وعادوا /
حين استعادوا ملح إخوتهم، فرادى أو جماعات، وعادوا/ من أساطير الدفاع إلى البسيط من الكلام.عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم، ويرتبوا هذا الهواء/ ويزوجوا أبناءهم لبناتهم، ويرقّصوا جسداً توارى في الرخام".
والصحيح أن دال العودة في الأدبيات الفلسطينية دال حاضر منذ الأعوام المبكرة جداً للنكبة. لقد تكرر في عناوين الأعمال الأدبية وتكرر في القصائد أيضاً. 
في قصيدة مبكرة لعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) يحضر هذا الدال في عنوانها وفي متنها. عنوان القصيدة "سنعود" وفي متنها نقرأ: 
ويسألني الرفاق ألا لقاء/ 
وهل من عودة بعد الغياب/
أجل ستعود آلاف الضحايا/ 
ضحايا الظلم تقرع كل باب
وسنتعلم ونحن صغار ونحن طلاب مدارس النشيد "عائدون" لنكرره كل صباح. 
كتبت فدوى طوقان في أشعارها المبكرة قصيدة عن فلسطيني استبد به الحنين إلى بيارته، فسار إليها ليقتله رصاص العدو الصهيوني "نداء البرتقال"، وكتب حنا إبراهيم قصة "المتسللون" صوّر فيها عودة فلسطينية إلى قريتها لتلتحق بزوجها فتطرد وتقتل. 
هل ننسى رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" 1969، وعودة بطليها سعيد. س وفارس اللبدة إلى حيفا ويافا؟ 
بالتأكيد إن العودة هنا كانت للزيارة فقط، لا للإقامة، ولكنها كانت أيضاً نوعاً من أنواع العودة ولو العودة المؤقتة، فالعودة الدائمة شيء تحتاج تسويته إلى حرب، كما قال سعيد. س ومن ورائه غسان كنفاني. 
في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين أخذ بعض الفلسطينيين يجسدون فكرة العودة - طبعاً الفردية- من خلال الارتباط بفلسطينيات من مناطق 1948. ونجح هؤلاء في سعيهم ولطالما قالوا: إنه شكل من أشكال العودة. 
هل ننسى رواية إلياس خوري "باب الشمس" وحكاية بطلها يونس. 
في أثناء قراءتي الأدبيات الفلسطينية لطالما توقفت أمام فكرة العودة. 
في العام 1963، أصدر غسان كنفاني روايته "رجال في الشمس" وقتل أبطالها الثلاثة الذين بحثوا عن حل فردي لمشاكلهم الناتجة عن نكبة 1948. قال الدارسون: إن غسان فعل هذا بوعي إذ كان على أبطال روايته أن يفكروا بالعودة إلى فلسطين لا أن يهاجروا إلى الكويت. 
ومع أن توفيق فياض حين أصدر مجموعته القصصية "الشارع الأصفر" 1948 كان مقيماً في الناصرة، إلا أنه كتب ضد الهجرة، داعياً إلى العودة والموت في الوطن. في قصته "الكلب سمور" يعود الكلب إلى قريته ليموت فيها مفضلاً إياها على حياة المنفى، وحين يفتقد أصحاب الكلب الكلب يدركون أنه عاد إلى قريته "مش مثلنا يابا مهججين لا أرض ولا وطن" (بتصرف).
في أثناء متابعة ما جرى يوم الجمعة الماضي وجدتني أتذكر حواراً لي مع الشاعر محمود درويش ووجدتني أعود لأقرأ "مأساة النرجس.. ملهاة الفضة"، (عادوا/ من آخر النفق الطويل إلى...).
هل تذكرت سور برلين؟ 
ربما.