لطمتان وُجهتا لرئيس حكومة المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، أخّلت بمكانته ، وأربكته أمام قاعدته الحزبية والإئتلافية اليمينية المتطرفة دفعتهم لأن يتطاولوا عليه ويتهموه بالضعف والدونية في إدارة معركة القدس والحرم ، بعد أن صوتوا ضده في إجتماع الحكومة الأمنية السياسية المصغرة ، وليس مستبعداً أن تكون معركة القدس المسمار الأول في نعش رحيله السياسي ، هزيمة لمخططاته ، إذا أجاد الفلسطينيون مواصلة المشوار والعمل بحكمة ووحدة وتماسك سلمي مدني ، وأن يكون ذلك بداية إنحسار قوة اليمين الإسرائيلي ونفوذه ، وهزيمة لبرنامجه التوسعي المتطرف ، فاليمين ليس لديه برنامجاً للتسوية ، مهما بلغ تدني إستجابتها للحقوق الفلسطينية ، فالحل بالنسبة لهم خارج السيادة الإسرائيلية على كامل أرض فلسطين ، وشعار حل الدولتين غير مقبول لهم ولا يرغبون ولا يؤمنون بالتعامل معه سياسياً وعقائدياً وعملياً على الأرض .
لطمتان تلقاهما نتنياهو ، بعد أن حاول التخلص من واحدة عبر إستيعاب الثانية وإمتصاص وجعها ، فقد تصادف الإرتباط الزمني بين : 1- إستمرارية معركة القدس وهي في أوجها منذ 14 تموز حتى 27 تموز ، و 2- جريمة حارس السفارة الإسرائيلية في الرابية الأردنية يوم 23 تموز ، ولأنه كان يعرف أنه مقدم على قرار سحب البوابات الإلكترونية من محيط الحرم القدسي الشريف ، عمل على توظيف عودة حارس السفارة زئيف بعد إرتكاب جريمته ، والإتصال به غير مرة وإستقباله بإعتباره بطلاً كما سبق وفعل مع الجندي الإسرائيلي المحرر من سجون حماس جلعاد شليط ، وأنه نفذ مهمة قتل لمواطنين أردنيين بشجاعة وإقتدار ، وأنه عمل على تحريره من حصار الأمن الأردني للسفارة الإسرائيلية ، وأعاده من أسر الإجراءات الأردنية ، فيما لو لم تقبل عمان الإلتزام بإتفاقية فينا وبالقوانين الدولية المرعية ، فتعامل مع الإلتزام الأردني ، والأخلاق الأردنية ، والفروسية الأردنية ، بخفة وإستهتار وبلا مسؤولية مترتبة عليه .
تلك هي ملامح المشهد المزدوج التي رغب نتنياهو إبرازه ، بالشكل الذي يُظهر دهائه السياسي وإمتلاكه لإدارة محنكة ، ولكن الرياح لم تصل إلى ما تشتهي إدارات السفن ، فبدلاً من اللطمة ، وجهت له لطمتان فلسطينية وأردنية معاً .
اللطمة الأولى إستقبلها من صمود أهل القدس وقيادتهم ومرجعيتهم ، وقواهم الحية ، وشبابهم الذين حموا القدس من أخر محاولات المس بها وإستكمال تهويدها وأسرلتها ، فحافظوا على قدسية الحرم ، ومنعوا تغيير الوضع القانوني والتاريخي المستديم ، وأداروا معركتهم بحنكة وصلابة وثقة وإيمان بالتعاون مع الشق الثاني من مكونات شعبهم من إخوتهم وشركائهم والمكملين لهم أبناء الجليل والمثلث والنقب وسكان مدن الساحل المختلطة من مناطق 48 ، وقيادتهم الإئتلافية الموحدة : 1- محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا للوسط العربي الفلسطيني ، 2- النائب أيمن عودة رئيس الكتلة البرلمانية المشتركة ونوابها من التيارات السياسية الثلاثة اليسارية والقومية والإسلامية ، 3- مازن غنايم رئيس اللجنة القطرية للمجالس المحلية العربية – البلديات .
التناغم والتفاهم وتقسيم الأدوار ورفد المرابطين والمرابطات ، الشباب منهم والشابات ، وبين رجال الدين والسياسة والدور الكفاحي المشترك بينهما وفر الأساس الذاتي والأداء المناسب لأدارة المعركة بإقتدار قيادي وصلابة ميدانية وثبات على الموقف ، مع حاضنة شعبية من العائلات ورجال الأعمال قدموا للمعتصمين أدواتهم المعيشية لمواصلة العمل بلا إنقطاع ، جعلت العوامل العربية والإسلامية والمسيحية والدولية المساندة كي تتحرك بعضها دعماً لفلسطين وبعضها الأخر إنقاذاً لحكومة نتنياهو من حفرة التطرف التي وقعت فيها بسبب شر أعمالها وتطرف أهدافها وسوء سلوكها ، فتكاملت عوامل النجاح للفلسطينيين وعوامل الإنقاذ للإسرائيليين :
1 – عدالة وصلابة وواقعية المطالب الفلسطينية .
2 – تحرك عربي دولي .
3 – إنقسام الجبهة الداخلية الإسرائيلية بين قرار الجيش والمخابرات الرافض للبوابات الإلكترونية وبين ممثلي المستوطنين والمتطرفين ودعاة إستكمال التهويد والأسرلة .
حصيلة ذلك هزيمة نتنياهو ومخططه وبرنامجه في إستكمال الأنقضاض على الحرم القدسي الشريف في نطاق خطة وبرنامج تطويق القدس وعزلها ونزع الحضور الفلسطيني العربي الإسلامي المسيحي من واقعها ومعالمها وروحها ، وفشل ، وكانت هذه هي الصفعة الأولى .
أما الصفعة الثانية فقد أتته من توبيخ جلالة الملك عبد الله العلني له على خلفية الإستعراض البهلواني الذي مارسه خلال حثيثات حادثة قتل الحارس الإسرائيلي لمواطنين أردنيين ، وقبول الأردن خروجه من الأردن لما يتمتع به من حصانة ، شريطة تقديمه لمحاكمة جدية حقيقية عادلة تُنصف ضحايا العنف والتطرف وعنجهية الحارس الذي أطلق النار من مسافة قريبة ، على المواطنين الأردنيين الجواودة والحمارنة .
الموقف الأردني كان قوياً بفعل إلتزامه بالقانون الدولي مع مجرم يتمتع بالحصانة الدبلوماسية ،وزادت قوته أنه حافظ على إلتزامه ، بينما لم يحفظ نتنياهو لا الكرامة ولم يتصرف بمسؤولية ، ولم يراع حساسية الموقف الرسمي الأردني ، فتصرف بصلف وعنجهية مع قاتل جنائي وكأنه بطلاً ، فكان التوبيخ الأردني من جلالة الملك ، بزيارته لأسر الضحايا وتقديم واجبات العزاء ، وإعلان التمسك بحقوق الضحايا ، والمطالبة بمحاكمة جدية علنية للحارس مرتكب جريمي القتل ، بدون ما يثبت أنه تعرض للأذى أو سيتعرض للخطر فيما لو لم يُقدم على جريمته المكشوفة .
تراجع نتنياهو
في تراجعه عن برنامج الهيمنة والسيطرة على الحرم القدسي الشريف بعد أن حاول معاقبة الفلسطينيين وتوظيف عملية يوم 14 / تموز ، لفرض إجراءات جديدة تحول دون إستمرار إدارة الأوقاف الإسلامية للحرم ، فوضع خطة الإستيلاء التي فشلت فوضع أربعة أدراج من الإجراءات لعل واحدة منها تبقى في يده ، نفذها نتنياهو ، لعلها تعطيه القدرة على التحكم بالداخلين إلى الحرم ، فقد أزال البوابات الإلكترونية وأبقى الكاميرات الذكية ، وأزال الكاميرات أمام الرفض الفلسطيني ، وأبقى على الجسور الحديدية ، وأزال الجسور ، ليبقى الفحص اليدوي ، وخلال يومي الخميس والجمعة ، كان صراعاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وكانت النتيجة في صلاة عصر الجمعة 28 تموز إزالة كافة القيود والإجراءات الإسرائيلية وإنتصار واضح نظيف للفلسطينيين بعد أن صمدوا وقدموا الشهداء والجرحى والإعتقالات .
والصفعة الثالثة
لم تقتصر الصفعات على نتنياهو من طرف الفلسطينيين والأردنيين ، بل جاءت الثالثة من أقرب المقربين إليه ومن حلفائه المتشددين فقد صوت ضده نفتالي بينيت وزير التعليم ، وإيليت شكيد وزيرة القضاء ، وزئيف الكين وزير القدس ، ووقفوا ضده ووبخوه ، وكثيراً من كتاب المقالات كتبوا عن تراجعه المذل ولكن التوبيخ الأقوى جاءه من صحيفته المحسوبة عليه " يسرائيل هيوم " التي كتبت عنه ووصفت موقفه على أنه " ضعيف ، خائف ، لا حول ولا قوة له " .
ماذا بعد
رضوخ نتنياهو ليس نهاية المعركة ، فالمعركة من أجل الحرم جزءاً من المعركة من أجل القدس ، والقدس جزءاً جوهرياً في سياق المعركة طويلة الأمد من أجل فلسطين .
ولهذا ، كما قال له ألون بن دافيد في معاريف يوم 28/7 حرفياً " بعد هذا الخضوع المخجل ، فإن الحكومة التي ترى بالفعل أن هناك حاجة لفرض سيطرة إسرائيل على الحرم ، يجب عليها أن تناقش بشكل عميق ، وأن تضع خطة هادئة وخطوات سياسية وأمنية تُعيد تأثيرنا على الحرم " ، وذهب ناحوم باريناع إلى أبعد من ذلك في يديعوت أحرنوت فكتب يقول " اليهود الذي حُلم حياتهم هو هدم المسجد وإعادة بناء الهيكل ، على إستعداد لدفع الثمن " .
فالبوابات الإلكترونية والإجراءات المرافقة ليس الهدف منها حماية المصلين والزوار ، فقد سخر نيسو شاحم قائد شرطة القدس السابق لدى سلطة الإحتلال ، ويعتبرونه من الخبراء في التعامل مع الحرم القدسي الشريف ، " لقد سخر من الدوافع الأمنية بوضع البوابات والكاميرات وغيرها لأنها لا تمنع إدخال السلاح إلى الحرم ، ولا أهمية لها عندما يكون مئات الاف المصلين على الأبواب في نفس الوقت " فالموضوع هي إجراءات تستهدف تقويض سلطة الأوقاف الإسلامية ، وفرض السيادة الإسرائيلية على كامل الحرم القدسي الشريف ، وصولاً إلى حالة التقاسم الزماني والمكاني لجغرافية الحرم .
النضال الفلسطيني سيتواصل بشكل تدريجي متعدد المراحل ، والإنجاز الخطوة الذي تحقق بالقدس يحتاج لعمل متواصل للحفاظ عليه ، والتكيف معه ، وصيانته بالتماسك والوحدة والبرنامج المشترك ، مدعوماً بالغطاء الأردني والعربي والإسلامي والمسيحي والدولي ، وهو ليس أول خطوات المواجهة ، ولن يكون أخرها ، بل هو خطوة نوعية جوهرية على الطريق ، والسؤال كيف يمكن الإستفادة والحفاظ عليها وتطويرها من أجل إستكمال الإنجاز الفلسطيني بالحل الدائم وزوال الإحتلال ، مما يتطلب العمل الدؤوب من أجل الخطوات الثلاثة الضرورية :
1 – برنامج سياسي مشترك لكل الفعاليات والقوى والفصائل والشخصيات الفلسطينية .
2 – الحفاظ على المؤسسة التمثيلية الموحدة وتطويرها وهي منظمة التحرير حتى تكون بحق الجبهة الوطنية المتحدة لكل فعالياتها ونضال الشعب الفلسطيني ، وأداتها على الأرض وفي الميدان السلطة الوطنية .
3 – أدوات كفاحية متفق عليها تجعل من الإحتلال مكلفاً لا أن تكون عبئاً على الشعب الفلسطيني ، بإمكاناته المتواضعة أمام تفوق العدو ومشروعه الإستعماري التوسعي .
الإنتصار الفلسطيني حصيلة جهد وقرار ووحدة موقف وهذا درس وخلاصة سطرها أهل القدس ، وستتسع لتشمل كل أهل فلسطين ، ولا خيار لهم وأمامهم سوى هذا الطريق ، طريق الحرم والأقصى والقيامة ، طريق فلسطين ، طريق الحرية نحو الإستقلال والعودة .
h.faraneh@yahoo.com