خلع فجر يوم الخميس الثاني كل أدوات المراقبة على البوابات، ما اعتقد أنها سوف تحسم سيطرته على المكان، وبدا وهو يفعل ذلك مكرهاً بل وشاعراً أنه قد هزم، وكان في ذلك الفجر يظهر أمام الفلسطينيين كما لو أنه يعيد تركيب هذا التناص التاريخي من زمن عملية نزع الاستعمار عقدي الخمسينات والستينات، بالعبارة الشهيرة التي تصور الاستعمار وهو يحمل عصاه ويرحل.
ولقد كان هذا نصراً حقيقياً للفلسطينيين بطعم ونكهة التاريخ، بعد نصر يشي بهذا التناص الآخر العام 2005، حين هدموا او خلعوا المستوطنات في غزة. وهذا زمن المدن الفلسطينية المقاتلة التي لم تقوَ في السابق ولن تقوى في المستقبل كلُ حيل استعمار إحلالي على اجتثاث طابعها وحاضرها، باعتبارها هي الشوكة التي تستعصي على حلق إسرائيل، التي لن تستطيع هنا في هذا الصراع مهما فعلت لمحاولة تجاوز هذا المأزق، سوى إعادة تمثيل دور محاولة تلك الضفدعة التي تقتل نفسها بالأخير في القصة الشهيرة للأطفال.
وفي عصر يوم الخميس ولكن مهلاً، فهذا احتلال لم يحمل عصاه بعد ويرحل ولم يسلّم بهزيمته. وما حدث أمام مرأى العالم بأسره وأدرك الفلسطينيون على الفور فحوى الرسالة وقرؤوها عصر هذا اليوم في الاقتحام الوحشي للمسجد الأقصى، فقبل ان تستكملوا فرحكم بالنصر سوف أُفسده عليكم. وقبل ان تبنوا على ما حققتموه من خارج الأبواب والأسوار من داخل المسجد الأقصى، سوف انقل المعركة الى داخل الحرم في الباحات وعلى اسطح المسجد، وسوف ترون ما أعددته لكم؟ وهكذا مثلما يفعل صبيان الحي في شجاراتهم اليومية.
وكما ارتكب الخطأ في امتحان المقدسيين، اضطر لاحقاً للتراجع المذل والانحناء في محاولة إخراج الحجر الذي القاه في البئر، حاول في غضون الأسبوع نفسه إهانة الملك عبد الله الثاني وإحراجه أمام شعبه الغاضب والذي يغلي في شوارع عمان، حينما سرب هو بنفسه على غير العادة او المألوف مكالمته الاستفزازية مع حارس سفارته في الأردن بعد عودته الى إسرائيل، قاتلاً اثنين من المواطنين الأردنيين.
وكانت الرسالة واضحة من هذه الوقاحة التي استفزت حتى الصحافة الإسرائيلية، فقد اراد ان يرد بهذه الطريقة المستفزة لمشاعر الملك والأردنيين على مواقف الملك في خطابه امام قمة البحر الأبيض العربية بتشديده على حل الدولتين، وخطابه الجريء والشجاع في قمة الرياض أمام دونالد ترامب عن القدس والدولة الفلسطينية، وأخيرا موقفه الصلب كوصي على الحرم القدسي بمساندته للقيادة الفلسطينية وموقف المرجعيات الدينية، في التصدي لمحاولة إحداث هذا الخرق في السيادة على الأقصى.
وكان رد العاهل الأردني مقصودا في المكالمة الهاتفية التي أجراها مع الرئيس ابو مازن، وفي تصريح وزارة الخارجية الأردنية ان السفيرة الإسرائيلية لن يسمح لها بالعودة الى مقر السفارة في عمان الا بمحاكمة القاتل. وكأن لسان حال الموقف الأردني الرسمي اذا كنت وقحا الى هذا الحد فان عليك الآن تعلم الدرس ودفع ثمن وقاحتك. والمسألة واضحة منذ الآن لن تكون هناك أي محاولة للالتفاف على الأردن وفلسطين، لتمرير ما يسمى بالتسوية الإقليمية. وان ما حققه المقدسيون والذي اذهل العالم ليس سوى بداية المعركة التي بادر الى فتحها نتنياهو، وان نهايتها لن تكون بيده وإنما بيد الفلسطينيين والأردنيين ومن اصطف معهم من العرب والمسلمين.
ولعله اراد يوم الجمعة ان يثبت لنفسه وللمقدسيين وللرئيس ابو مازن والملك عبد الله انه هنا من يملك القوة على الارض، ويقرر من يدخل الى المسجد ليصلي ومن يمنع ويحرم. وانزل منذ الصباح قوة ربما لا سابق في حشدها من الناحية الكمية، لتفرض ثلاثة أطواق على شكل دوائر مغلقة من الحواجز، تمنع وصول المصلين الى الحرم دون سن الخمسين. وقد فهم المقدسيون الذين قرروا عدم الانجرار وراء استفزازاته مغزى خطته مثل ضبع جريح، وبعد ليلة وحشية أصيب فيها اكثر من مائة من المصلين داخل المسجد.
ولأنهم أدركوا عند هذا الحين ان الرجل وقد ألحقوا به الهزيمة واستطاعوا أن يغيروا قواعد اللعبة القديمة، فإن عليهم الاستعداد الآن لمعركة طويلة يواصلون خوضها وإدارتها، ليس على ملعبه ووفق شروطه ولكن كما فعلوا حتى الآن على ملعبهم. ولقد وضح الآن ان الورقة التي يملكونها هي السلاح الذي يقهر بالأخير قوة الاحتلال الغاشمة، انها الورقة نفسها التي لعبها غاندي لهزيمة بريطانيا، فما الذي يملكه الاحتلال أمام الصلاة؟ «مدينة الصلاة وأنا ذاهبة لأصلي» في القصيدة التي كتبها الشاعر اللبناني سعيد عقل ولحنها الرحابنة وغنتها فيروز كما لو أنها تنشد اليوم هذا النشيد على وقع أقدام المقدسيين.
والذي حدث ويحدث على مدى الخمسين عاما وأكدته الأيام الأخيرة، أن القدس مدينة الله والصلاة إنما هي اكبر من إسرائيل قوة الاحتلال المدججة بالسلاح، وهذا هو العنوان الكبير اليوم.