عن القانون الدولي وحماية الدبلوماسيين ..محمد ياغي

الجمعة 28 يوليو 2017 03:07 م / بتوقيت القدس +2GMT




الحكومة الأردنية لم تجافِ الصواب عندما أعلنت بأن القانون الناظم للعلاقات الدبلوماسية بين الدول لا يسمح لها باعتقال ومحاكمة موظف أمن السفارة الإسرائيلية على أراضيها بعد الجريمة التي ارتكبها بقتل الفتى محمد الجواودة والطبيب بشار الحمارنة. 
هذا القانون الذي يسمى ميثاق فيينا للعلاقات الدبلوماسية والمعتمد منذ العام ١٩٦١ هدفة الأساس إيجاد بيئة آمنة لعمل الدبلوماسيين تمكنهم من القيام بمهامهم دون خوف خصوصاً في الظروف التي تكون فيها العلاقات بين الدول تشهد درجة عالية من التوتر. 
القانون يتضمن مواد توضح الدعم المتوقع من الدولة المُضيفة للدبلوماسيين، تحظر على الدولة المُضيفة دخول سفاراتهم، تفتيش سياراتهم، فتح حقائبهم الدبلوماسية، وتحظر التجسس على مراسلاتهم. ومواد الميثاق توضح أيضاً أنواع الحصانات التي يتمتع بها الدبلوماسيون وعائلاتهم. مثلاً، حصانتهم وفق المادة 31 من الميثاق هي "مطلقة" من القوانين الجنائية الخاصة بالدولة المُضيفة. بمعنى لا يحق للدولة المُضيفة أن تعتقلهم أو تحاكمهم وفق قوانينها أياً كانت الجرائم التي تتهمهم بها وأياً كانت الأدلة التي تمتلكها لإدانتهم.
القانون في هذه الحالة صريح: المجرم يحاكم وفق قوانين الدول المُضيفة إذا رَفعت فقط دولته الحصانة عنه. من حق الدولة المُضيفة أيضاً أن تعلن أن الدبلوماسي مرتكب الجريمة شخصية غير مرغوب فيها، وأن تقطع علاقاتها بتلك الدولة. لكنها في جميع الأحوال لا تمتلك الحق باعتقاله ومحاكمته.
البعض يقارن ما حدث في الأردن العام ١٩٩٧ عندما حاولت إسرائيل اغتيال خالد مشعل، رئيس حركة حماس وقتها، بالجريمة التي اقترفتها إسرائيل قبل أيام. الجريمتان وفقاً للقانون الناظم للعلاقات الدبلوماسية مختلفتان: الأولى لا علاقة لهذا القانون بها لأن عملاء الموساد الذين تم القبض عليهم لم يكونوا مسجلين كموظفين دبلوماسيين في عمان، وبالتالي كان للأردن الحق في محاكمتهم، ما أدى الى صفقة التبادل التي خرج وفقها الشيخ أحمد ياسين. الحالة الثانية مختلفة، لأن موظف الأمن الإسرائيلي مسجل لدى الأردن كموظف لدى سفارته، بمعنى أنه دبلوماسي. 
الأردن ليس الدولة الأولى التي تسمح لدبلوماسي بالمغادرة بعد ارتكابه جريمة على أراضيها. العام 1967 أطلق سفير بورما في سيريلانكا النار على زوجته وقتلها. في اليوم التالي قام بحرقها في ساحة بيته تحت أعين الشرطة التي لم تتمكن من دخول بيته أو منعه من القيام بذلك بسبب الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها. السفير حوكم في بلده بورما بعد أن أعلنته سيريلانكا شخصاً غير مرغوب فيه وقامت بترحيله. 
العام 2015 ولنفس السبب (الحصانة الدبلوماسية)، سمحت الهند لدبلوماسي عربي بمغادرة أراضيها رغم كونه متهماً بجريمة اغتصاب، ورغم وجود أدلة لديها لإدانته.
العام 1984، أطلق أحد موظفي السفارة الليبية في لندن النار من داخل السفارة على متظاهرين سلميين خارجها، ما أدى الى مقتل شرطية بريطانية كانت تحرسهم وإصابة عشرة منهم. بريطانيا التي حاصرت السفارة الليبية لمدة 11 يوماً بعد الحادث اضطرت للسماح لموظفي السفارة بمغادرتها الى بلدهم دون تفتيش، لكنها قطعت العلاقات مع ليبيا حتى العام 1999 عندما اعترفت ليبيا بمسؤوليتها عن الحادث، ودفعت تعويضات لأسر الضحايا. 
في مقابل الأمثلة العديدة بتمسك الدول بحصانة موظفيها رغم جرائمهم، هنالك دول فضلت حماية سمعتها على حماية موظفيها ورفعت عنهم الحصانة حتى يتم محاكمتهم في الدول التي تستضيفهم. 
من ذلك مثلاً قيام جورجيا العام 1997 برفع الحصانة عن قنصلها الذي "دهس" صبياً أميركياً أثناء قيادته لسيارته وهو ثمل، وقيام اليابان برفع الحصانة عن أحد دبلوماسييها في كندا العام 1999 بعد قيامه بضرب زوجته. ما مكن أميركا وكندا من إعمال قوانينهما ومحاكمة الدبلوماسيين المتورطين في جريمتي القتل والضرب. 
عندما تتعلق المسألة بإسرائيل لا يمكن إغفال مسألتين: الأولى أنها لا تكترث بحياة الفلسطينيين والعرب، وبالتالي كان من السهل على موظف أمنها قتل الفتى والطبيب بدم بارد. جميعنا يعلم أن جنود الاحتلال، في حالات كثيرة، يقومون بقتل الفلسطينيين ثم الادعاء بأنهم حاولوا قتل إسرائيليين. هناك كاميرات وثقت قيام جنود الاحتلال بوضع سكاكين الى جانب الضحايا الفلسطينيين بعد قتلهم. الجريمة التي ارتكبت في عمان ليست استثناء: الجاني، ضابط الأمن الإسرائيلي، لم يقتل فقط من ادعى بأنه حاول مهاجمته ولكن الطبيب صاحب المبنى الذي كان موجوداً في المكان لتمكين "النجار" كما يبدو من دخول المبنى. 
المسألة الثانية هي قيام إسرائيل بشكل دائم باستغلال القانون الدولي الذي يحمي الدبلوماسيين لارتكاب جرائم. 
بالطبع هنالك دول عديدة تستخدم سفاراتها والحصانة التي يتمتع بها دبلوماسيوها للتجسس على الدول التي تستضيفها. لكن إسرائيل وحدها من يستغل القانون المنظم للعلاقات الدبلوماسية بين الدول لارتكاب جرائم مُنظمة تفوق عمليات التجسس.
في العام ١٩٨٤ مثلاً حدث انقلاب في نيجيريا هرب على أثره، عمر ديكو، وزير المواصلات الى لندن بعد اتهامه بالفساد. حكومة الانقلاب تعاونت مع الموساد الإسرائيلي لاختطافه وترحيله الى نيجيريا. الموساد اقترح ترحيله في حقيبة دبلوماسية لأن القانون يضمن عدم تفتيشها. لسوء حظ الموساد، "الصندوق" لم يتضمن بيانات كاملة تفيد بأنه فعلاً "صندوق دبلوماسي" لا يمكن الاقتراب منه، وتم بالتالي فحصه وإكتشاف وجود "ديكو" به قبل وصوله للطائرة. علاقة إسرائيل بعملية الخطف فُضحت بعد اعتقال لندن للمتورطين فيها ومحاكمتهم، حيث تبين أن ثلاثة منهم يعملون مع الموساد الإسرائيلي. 
وإسرائيل وحدها من يمتلك الوقاحة لتعين مرتكبي جرائم في مواقع دبلوماسية رغم أن جرائمهم موثقة. العام ٢٠٠٠ مثلاً أثار تعيين كارمي غالون، وهو رئيس سابق للأمن الداخلي الإسرائيلي، سفيراً في الدانمارك عاصفة في ذلك البلد بعد أن كشف تقرير إسرائيلي بأن كارمن متورط بشكل شخصي في تعذيب أكثر من مائة فلسطيني، لكن إسرائيل أدارت ظهرها لذلك لأن القانون الدولي يعطي حصانة للدبلوماسيين لا تمكن الدول التي تستضيفهم من محاكمتهم. 
الأردن بالطبع لا يمتلك الحق وفق القانون الدولي في محاكمة ضابط الأمن الإسرائيلي (الدبلوماسي)، لكنه أيضاً يمتلك خيارات لعل أهمها قطع العلاقة مع إسرائيل بعد أن أصبحت عبئاً عليه.