عاد المصلون المسلمون الفلسطينيون إلى الصلاة داخل الحرم القدسي الشريف ظهر أمس، بعد أسبوعين من المواجهة الحاسمة، عبر معركة كسر عظم، حدثت بين مواطني مدينة القدس الفلسطينيين وجنود ومستوطني الاحتلال الإسرائيلي، أعقبت العملية التي أسفرت عن استشهاد ثلاثة مواطنين من عرب الـ 48 ومقتل شرطيين إسرائيليين احتلاليين داخل الحرم القدسي الشريف، وانتهت بنصر مؤزر حققه الكفاح الشعبي المقدسي الفلسطيني، هزم من خلاله جبروت الاحتلال مجسداً بأعتى حكومة يمينية متطرفة تقود إسرائيل منذ تأسيسها وحتى الآن.
في الحقيقة فإن حكومة الليكود - البيت اليهودي، وجدت في العملية داخل الحرم، رغم أنه لم يكن لا للسلطة الفلسطينية ولا لمواطني دولة فلسطين، من سكان القدس أو الضفة الغربية، أي يد في العملية، ورغم إدانة الرئيس شخصياً لها، وجدت حكومة نتنياهو في وقوع العملية فرصتها للقبض على المسجد الأقصى، بالعمل فوراً على تغيير حالة التوازن الدقيقة التي تحكم الصلاة فيه بين الأطراف الثلاثة: فلسطين والأردن والاحتلال الإسرائيلي، فسارعت لإقامة بوابات الكترونية على مداخل الحرم، كان من شأنها أن تلغي عمليا جدوى أو أهمية وجود مفاتيح أبواب الحرم بيد موظفي الأوقاف، ومرجعياته الدينية، وتجعل عملية الصلاة خاضعة للاحتلال، بل وتجعل من الحرم نفسه مكانا محتلا بالكامل ويضع مفاتيحه بيد الحاكم العسكري الإسرائيلي.
وكان يمكن للأمر لو أنه مرّ، أن يجعل من مسألة نجاح إسرائيل في تنفيذ مخططها بتقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود، مسألة وقت، بل وكان سيفتح لها الأبواب واسعة، لهدم الحرم، في "ليلة ما فيها ضو"، أو على الأقل إقامة هيكل سليمان المزعوم إلى جوار الحرم، أو تحته، أو في أي مكان لإثبات الادعاء اللاهوتي بوجود المعبد اليهودي تحت قبة الصخرة المشرفة !
وما أكد الخطة الإسرائيلية المبيّتة، بل وأكثر من ذلك، هو أن خطة البوابات الالكترونية كانت معدة منذ العامين، ولم تنفذ لأسباب عدم جدواها الأمني، لذا فإن هدفها السياسي كان واضحا وخطيرا جدا، لأنه يضع حدا نهائيا لحل الدولتين، حيث إن كلمة سر الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية هو المسجد الأقصى، ودون المسجد يمكن تمرير خطة أن القدس الفلسطينية هي أبو ديس والعيزرية ومجموع القرى المحيطة أو التي هي خارج أسوار البلدة القديمة، أي بعد أن تحتفظ إسرائيل بما تسميّه القدس الموحدة التي تشمل البلدة القديمة والقدس الغربية، يمكن للفلسطينيين أن يسموا أي مكان قريب من القدس بالقدس وحتى رام الله يمكن لهم أن يطلقوا عليها لقب القدس، عاصمة دولة فلسطين!
وعلى أبواب مفاوضات تعد بها واشنطن نفسها والأطراف، ويريدها الجانب الفلسطيني، فيما يساق لها الجانب الإسرائيلي على مضض، أرادت حكومة نتنياهو أن تكسب معركة المفاوضات قبل أن تبدأ، ذلك أن ملف القدس يعتبر واحدا من أهم ملفات الحل النهائي، بحيث تضع الجانب الفلسطيني أمام خيارين أحلاهما مر: فإما الدخول لمفاوضات معروفة نتيجتها سلفا، وهي إخراج القدس من دائرة التقسيم على أساس حدود 67، وعدم الابتعاد كثيرا بواقع "الدولة الفلسطينية" عن حالة الحكم الذاتي القائمة حاليا كثيرا، أو القبول بالواقع الحالي.
ما قلب الطاولة لم يكن بحسبان العدو الإسرائيلي، حيث قاوم الشعب الفلسطيني بالصلاة، التي صارت أداة كفاح وطني وحدّت الشعب كله، وجعلت من "سجادة الصلاة" عنوانا وجامعا، في انتفاضة شعبية سلمية، وحدّت الكل الفلسطيني سياسيا وديموغرافيا، في القدس والضفة والـ 48 وغزة، ومن ثم تم إسناده سياسيا بموقف قوي، وإن كان تصاعد يوما بعد يوم، للسلطة الفلسطينية توّج بقرار تجميد كل أشكال الاتصال مع الجانب الإسرائيلي، ثم تم إسناده بتظاهرات عربية/إسلامية جرت أيام الجمع في كل من الأردن والجزائر والسودان وتركيا.
وكان أهمها بالطبع ما جرى بالأردن، خاصة بعد إقدام ضابط أمن السفارة الإسرائيلية على طريقة ضباط الأمن الإسرائيليين في مواجهتهم للشبان الفلسطينيين الحانقين على الاحتلال، بخفة الضغط على الزناد، والتمتع بروح الاستخفاف بأرواح الآخرين، وبذلك قتل مواطنين أردنيين، شاب في السابعة عشرة من عمره وطبيب كانا مسالمين ولم يكونا مسلحين!
عشرة أيام، تلت العملية في باحة الحرم القدسي الشريف وحكومة إسرائيل، تكابر وتصر على المضي قدما، في تحدي الشعب الفلسطيني ومشاعر العرب والمسلمين وتستخف بكل من السلطة الفلسطينية والحكومة الأردنية صاحبة الولاية الدينية على المسجد الأقصى، بحيث رفضت كل الحلول الوسط، من نمط تركيب الكاميرات الأردنية، وبعد حادثة سفارتها بعمان، وتصاعد الاحتجاج الشعبي الفلسطيني وتصاعد المقاومة بالصلاة، بدأ جدار الغطرسة الإسرائيلي بالانهيار، وحاول بعد إزالة البوابات الإلكترونية أن يبقي على كاميرات ذكية وجسور وحواجز معدنية خاصة على باب الأسباط، لكن إصرار المقدسيين الأبطال على إزالة كل مستجد بعد 14 تموز، أجبر إسرائيل على الامتثال صاغرة.
الآن وبعد تحقيق النصر في أكناف بيت المقدس، فإن الأمور لم تنته، فحكومة نتنياهو التي تشعر بالانكسار تسعى للتعويض من خلال إقدام حزب الليكود على اتخاذ قرار يرفض إقامة دولة فلسطينية غرب النهر، وعلى إصدار قرار من الكنيست يجبر أي حكومة توافق على "تقسيم القدس" بالحصول على أغلبية ثلثي النواب وليس على الأغلبية البسيطة كما هي الحال الآن.
وفي الوقت نفسه يعلن نتنياهو أنه يؤيد قرار توسيع حدود بلدية القدس لتشمل المستوطنات من معالي أدوميم إلى غوش عتصيون.
بالمقابل فان التوتر بين إسرائيل والأردن لم ينته، فعلى وقع أداء البرلمان والشارع الأردني أعلن رئيس الديوان الملكي أن الأردن يشترط لعودة طاقم السفارة الإسرائيلي بما فيه السفيرة لعمان محاكمة القاتل الإسرائيلي، فيما سيكون من الصعب على الرئيس الفلسطيني الموافقة على الدخول في مفاوضات هابطة بعد الانتصار المقدسي.
لذا فان فصلا من المواجهة متعددة الجوانب والأشكال قد انفتحت، ربما كبديل عن فتح الباب التفاوضي !