كتاب اسرائيلي : هكذا اغتلنا المهندس عياش

الخميس 13 يوليو 2017 11:29 ص / بتوقيت القدس +2GMT
كتاب اسرائيلي : هكذا اغتلنا المهندس عياش



عصمت منصور

كتاب الاغتيال/ تأليف: ميخائيل بار زوهر ونيسم مشعل  

(أشهر وأخطر عمليات الاغتيال التي نفذها الشاباك الإسرائيلي)

الحلقة الأولى

هكذا اغتلنا المهندس

سطوع نجم عياش المغمور ومرحلة المطاردة في الضفة

"ألوو يحيى"، فتح الأب الخط مع ابنه.

بينما في الطرف الآخر من الخط الهاتفي ساد صمت ثقيل وغامض.

الأب حاول مجدداً: "يحيى؟ يحيى؟"

انقطع صوت يحيى، وبعدها أصدر انقطاع خط الهاتف صفيراً مزعجاً ومتواصلاً.

حدث هذا يوم الجمعة ٥ -١-١٩٩٦، في الساعة ٩:٠٥.

الأب يدعى عبد اللطيف عياش، يقيم في قرية رفات شمال الضفة، والهدف من الاتصال أنه كان يريد أن يهنئ ابنه المحبوب بولادة حفيده الجديد الذي ولد قبلها بيومين فقط.

الجد الفخور والذي لم يرَ ابنه الذي تسلل خفية إلى قطاع غزة منذ أشهر، أصيب بخيبة أمل لأنه لم يتمكن من تهنئة ابنه المطارد بمولوده الجديد.

يحيى عياش كان أحد أخطر المطلوبين الذين عرفتهم دولة إسرائيل ممن خرجتهم حركة حماس، وهو يعتبر المسؤول المباشر عن سلسلة من العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية، والتي أدت إلى مقتل ٨٢ إسرائيلياً.

في ١٩ أيلول ١٩٩٤ فجر استشهادي نفسه في باص في تل أبيب، في هذا الانفجار الذي وقع على بعد أمتار من شارع ديزنجوف قتل ٢٢ إسرائيلياً، وأصيب أكثر من ١٠٠ آخرين.

بعد ثلاثة أيام فقط من الحادث جمع رئيس الوزراء إسحاق رابين في مكتبه في تل أبيب رؤساء أجهزة الأمن، ووضع على جدول الأعمال هدفاً واحداً ووحيداً وهو: كيفية مواجهة عمليات حماس الاستشهادية!

رؤساء أجهزة الأمن وقادة الشاباك أطلعوا رابين على المواد المستخدمة في التفجيرات، وقالوا له إنها تشير إلى بصمات المهندس.

(المهندس) هو اللقب الذي عرف به خبير المتفجرات في حركة حماس، وهو ذاته يحيى عياش.

عياش كان يصنع المواد المتفجرة التي استخدمت في تنفيذ العمليات الاستشهادية في العفولة والخضيرة، بالإضافة إلى كونه المسؤول عن تهريب استشهاديين داخل إسرائيل وعلى أجسادهم أحزمة ناسفة، لمضاعفة عدد القتلى والقدرة التدميرية التي تخلفها هذه العمليات.

الشاباك قدم لرابين معلومات تفصيلية عن من يكون يحيى عياش.

جاء في التقرير الذي استمع رابين لكل كلمه فيه باهتمام أن عياش من مواليد العام ١٩٦٦، وأنه أنهى دراسته الثانوية بتفوق، وأكمل تعليمه الجامعي في تخصص الهندسة في جامعة بيرزيت، وأن أحداث الانتفاضة الأولى أعاقت قدرته على استكماله لتعليمه الجامعي، وعندما فكر في السفر وتوجه بطلب إذن خروج للأردن رفض الشاباك طلبه.

عياش الذي أصيب بخيبة أمل من الرفض الإسرائيلي توجه لتخصص آخر وهو (الإرهاب).

في بداية العام ١٩٩٢ جند عياش للخلية العسكرية الأولى لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية، وهناك أخرج موهبته النادرة ومعرفته في إعداد وتجهيز عبوات ناسفة من مواد بسيطة ومتوفرة في كل مكان.

في عامه الأول تورط عياش في محاولة تفجير سيارة في مدينة بيح تكفا، لكن ألقي القبض عليها قبل أن تصل إلى هدفها.

خلايا حماس في الضفة بدأت بعد هذه المحاولة تسمع لأول مرة باسم يحيى عياش وعن قدرته في تصنيع المتفجرات، ومعها أيضاً وصل اسمه لقادة الشاباك الذين وضعوه على رأس قائمة أخطر المطلوبين، وبدأوا في ملاحقته.

رئيس جهاز الشاباك يعقوب بيري يقول إن عائلة عياش عائلة ريفية فقيرة، الوالد رجل صامت ومنطوٍ، بخلاف الأم الصدامية ذات الشخصية القوية، والتي اعتادت أن تشتم إسرائيل بمناسبة ومن دون مناسبة، وأنها هي التي أورثت يحيى هذا الحقد على إسرائيل.

راكم عياش خبرة كبيرة في تصنيع الأحزمة الناسفة، واستطاع أن يطور عبوات ذات قدرة تفجيرية عالية زود بها الاستشهاديين الذين كان يجهزهم لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل. لم يكن عياش يكتفي بالجانب التقني لإنجاح عملياته، بل بالجانب الكاريزماتي والجذاب في شخصيته التي مكنته من إقناع الاستشهاديين للخروج والتضحية بأنفسهم وتنفيذ عمليات استشهادية، وكان أيضاً يعلمهم كيف يوقعون أكبر عدد ممكن من القتلى.

معظم الاستشهاديين كانوا ممن ينتمون إلى الطبقات الفقيرة، وكان حلمهم الأكبر أن يصبحوا شهداء والفوز بالجنة.

رابين كان يستمع باهتمام للتقارير، وكان يمطر قادة أجهزة الأمن بالأسئلة عن عياش دون أن يترك السيجارة المشتعلة من يده من شدة العصبية والانفعال أمام ما كان يسمعه من قادة أمنه.

توقف رابين عن الأسئلة ليسود الاجتماع جو ثقيل من الصمت، ممزوج بشعور بالإحباط جراء الفشل المتكرر في إلقاء القبض على المهندس.

فجأة قال رابين لبيري رئيس الشاباك: أريدك أن تحضر لي عياش.

أعين قادة الأجهزة توجهت نحو بيري الذي كان يعرف جيداً أن هذه المهمة صعبة جداً، وأن كل رؤساء جهازه سيضطرون إلى ترك كل شيء والتفرغ للإمساك بالمطارد الذي نجح، ليس في الإفلات من أجهزة الأمن فقط، بل وتضليلهم والتسبب في إهدارهم الكثير من الجهد والموارد، لدرجة أصبح فيها كل جندي وضابط في الجيش، وكل مسؤول في الضفة من مسؤولي وضباط جهاز الشاباك ممن يخدمون في الضفة الغربية لا يسير إلا وهو يحمل صورة لعياش في جيبه، دون أن يتمكنوا من الإمساك به.

عرف عياش كيف يتخفى وكيف يتملص من متعقبيه الكثر.

 كل ليلة كان يبيت في مكان مختلف، ومعظم الليالي كان ينام في مغر وبيوت مهجورة وفي الأحراش والحقول النائية، كان مقلّاً جداً وشديد الحذر في التعامل مع أجهزة الاتصال، بينما لا يعرف عنه مساعدوه إلا القليل، في المقابل كان يتلقى المساعدة من السكان المحليين الذي نظروا إليه بإعجاب.

مرة تلو الأخرى استطاع عياش أن يفلت من المداهمات التي كان يقوم بها الجيش للإمساك به، والتي استخدم فيها خيرة وحداته الخاصة وأكثرها تدريباً، والتي كانت تستند إلى معلومات استخباراتية دقيقة كادت إحداها أن تنجح في القبض عليه عندما اكتشف الجنود أن فراشه لا يزال ساخناً، وأنه لم يغادر سوى منذ دقائق بفضل الحس الأمني الحاد الذي تمتع به.

في أواسط العام ١٩٩٥ شعر عياش أن الحبل يقترب من عنقه، فاختفت آثاره فجأة من الضفة ليتبين أنه هرب إلى قطاع غزة على متن شاحنة خضار، وأنه يقيم في بلدة بيت لاهيا والتحق بحركة حماس في القطاع، واستطاع أن يجتمع مع الشاب محمد ضيف الذي سيتحول إلى تلميذه المميز بكل ما له علاقة بالإرهاب.

غزة لم تكن تحت سيطرة إسرائيل الأمنية، وهذا سهل على عياش الاختباء، وبينما واصل عياش العمل من مخبئه في غزة بحرية، أصبحت مهمة الشباك في إلقاء القبض عليه أصعب بكثير.

كيف وصل الشاباك إلى عياش في غزة؟

بماذا هدد رابين عرفات؟ وأي مقترح حمل رئيس الشاباك لدحلان

في آذار ١٩٩٥ أنهى يعقوف بيري مهمته كرئيس لجهاز الشاباك، ولكنه لا يزال يشعر إلى اليوم أن الفشل الذي سيحمله معه دوماً هو الفشل في الإمساك بيحيى عياش.

مكان بيري عين رابين كرمي جيلون رئيساً للشاباك، والذي أدرك أن ثقل مسؤولية إلقاء القبض على المهندس وقع على كاهله.

في كل جلسة أسبوعية بينه وبين رئيس الوزراء تردد على مسامعه السؤال عن آخر التطورات في ملاحقة عياش، وإن كان هناك أي تقدم.

"هل وصلتم إلى معلومات جديدة؟"

وإن كان لا يزال في الضفة، أم أنه نجح في الفرار إلى غزة؟

رابين أراد نتائج فورية، وأراد أكثر من أي شيء اغتيال المهندس، وفي كل مرة كان يتلقى نفس الجواب، وأن عياش لا زال حراً لم يستطع أن يخفي خيبة أمله.

"منذ توليت مهمتي الجديدة" يقول جيلون "قررت أن أدير عملية الملاحقة بنفسي، كنت أنام مع عياش وأفيق من أجل عياش، التفجيرات الكبيرة التي وقف خلفها جعلتني أنمي حاسة خاصة تجاهه، لا أعرف إن كنت أكرهه، لكنني أعلم جيداً أن علي أن أمسك به قبل أن يقتل المزيد من الإسرائيليين الذين سيعلق دمهم في رقبتي، لقد خصصنا مجموعة كاملة في الشاباك ممن لم يفعلوا أي شيء سوى الانشغال بهذا الشخص".

جراء شعوره بالعجز توجه جيلون لعرفات الذي كان يسيطر على غزة، وقال له: يحيى عياش في منطقتك وأنا أريده.

عرفات مثل دور الساذج، وقال: حقاً! لم أكن أعرف، هذا دعني أفحص الأمر.

بعد ثلاثة أيام عاد جيلون للقاء عرفات الذي قال له: أجريت فحصاً وتبين أن عياش في السودان، نعم في السودان.

رئيس الشاباك الذي كان يعلم علم اليقين أن عياش في غزة وأن عرفات يكذب عليه، نقل لرابين رد عرفات.

رابين طار إلى إيريز واجتمع بعرفات، وقال له بغضب: أنا أعرف أنه عندك، وإذا لم تسلمني إياه سأعتبر كافة الاتفاقيات بيننا لاغية، وسأفرض الحصار على غزة.

عرفات لم يتأثر، وكرر ما قاله لرئيس الشاباك بأن عياش في السودان.

عياش تحول إلى بطل في نظر الجمهور الفلسطيني، ولم يتوقف عن تصنيع عبوات ومواد متفجرة للاستشهاديين، بينما الشاباك بدأ يشعر باليأس واكتفى أن يغادر المسرح ولم يعد يتمسك بمطلب الإمساك به، وهذا الاقتراح حمل إلى دحلان الذي كان يرأس جهاز أمن في غزة، لكنه ورفضه.

جيلون قال: لم يكن يهمني أن يعتقله عرفات أم يرحله من غزة إلى ليبيا أو ميامي، المهم أن نضمن أنه لن يلمس المواد المتفجرة التي يفجرها بيننا، فهو يعتبر في نظرنا العدو الأخطر في تاريخ حربنا مع الإرهاب.

لم يبق أمام الشاباك سوى خيار واحد: التخلص من عياش بأنفسهم.

المهندس أدرك أن إسرائيل تطارده وتفرض عليه حصاراً شاملاً، لذا فقد اتخذ احتياطات أمنية مشدده: استبدل شقق التخفي، امتنع عن استخدام الهاتف، ولم يثق في إنسان باستثناء اثنين من مقربيه، اللذين تحولا إلى صلته الوحيدة مع العالم الخارجي.

بالمقابل قام الشاباك أيضاً بتكثيف جهوده وزيادة الضغط، لدرجه أن عملاءه في غزة جندوا جميعهم لهذه المهمة.

حرب أدمغة حقيقية دارت بين الطرفين، إنه شيء أشبه بلعبة شطرنج على الحياة أو الموت.

المعلومة التي كادت أن توقع به، والتي قادت لحملة مدروسة بأدق التفاصيل، انتهت إلى الفشل بعد أن نجح في الإفلات مرة أخرى.

الاختراق

مكالمات عياش مع زوجته وتواطؤ الشباك في تهريبها إلى غزة

الاختراق الحقيقي الذي أوصل الشاباك للمهندس لم يأتِ من غزة، بل بعيداً عنها، وتحديداً من بيته في رافات.

على مدى أشهر تنصت الشاباك على مكالمات عائلة عياش في قرية رافات، وتبين أنه اتصل أكثر من مرة وتحدث مع زوجته ووالديه، ولكن، وبما أنه عرف أن التلفون مراقب، فإن المكالمة لم تستغرق وقتاً، وأراد منها أن يطمئن عنهم فقط.

من المكالمات التي سجلها الشاباك تبين مدى اشتياق عياش لزوجته وابنه الصغير.

الشاباك اعتبرها من أكثر المكالمات روتينية ولا جدوى لها، إلى أن لمعت الفكرة في ذهن أحد الضباط:

إذا كان عياش مشتاق لزوجته وابنه، لماذا لا نمكنه من الاجتماع بهم؟ عندما تكون زوجته في غزة فلا بد أن يجتمع بها، قال الضابط.

جيلون أحب الفكرة وقرر إخراجها إلى حيز التنفيذ.

بهدف دفع زوجة عياش إلى الهرب إلى غزة، اعتقل الشاباك والدته، والتي اعتبرت الشخصية القوية والأكثر حيوية التي تدير العائلة.

الهدف من الاعتقال كان الفصل بين الأم والزوجة وإخافتها، ودفعها للتفكير بالهرب إلى مكان اختباء زوجها.

اعتقال الأم أربك الزوجة، وفي المكالمة القصيرة التي دارت بينهما وعد عياش زوجته الخائفة أن يهتم بأمرها.

من ناحيته اعتبر الشاباك أن الزوجة وقعت في المصيدة، وأن حماس ستحاول تهريبها مع ابنها إلى القطاع، لكن هذه مهمة ليست سهلة على الإطلاق لأن الطريق بين غزة والضفة كانت مليئة بالحواجز، لهذا فقد استغرقت العملية أربعة شهور متواصلة حتى نجحت حماس في تهريب الزوجة وابنها إلى القطاع.

في شهر آذار ١٩٩٥ وصلت تقارير أولية تفيد أن الزوجة وصلت القطاع مع ابنها، وبعد أيام عرف أن عنوانها في بيت لاهيا.

عملاء الشاباك شرعوا في مراقبة كل خطوة تخطوها على أمل أن تخرج (العقرب) من جحره، ولكنهم صدموا عندما اكتشفوا أنها حامل، وأنها تزور أخصائية نسائية، علماً أن أياً من العملاء لم يلحظ أن أحداً يدخل البيت الذي تقيم فيه.

العودة لملفات جامعة بيرزيت

 الشاباك لن يستسلم، وافترض أن عياش موجود في نفس الحي، وأنه يقيم في بيت أحد عناصر حماس بالقرب من زوجته.

من أجل معرفة هذا الشخص صادر الشاباك ملفات وصور دفعة تخرج بيرزيت، وبحثوا بين الأسماء عمن درس في تلك الدفعة من القطاع في الجامعة، وظهر بين الأسماء اسم أسامة كامل حماد، والذي تبين أنه يقيم في بيت والده على بعد ١٢٠٠ متر من البيت الذي تقيم فيه زوجة وابن عياش.

التقديرات لدى الشاباك أن عياش يختبئ في بيت أسامة، وأن زوجته تأتي لزيارته هناك.

بدأت عملية البحث في سيرة أسامة وأفراد أسرته ليكتشفوا أن عمه مقاول ناجح، فلدية ممتلكات وأعمال في إسرائيل، وأنه يتنقل في سيارته الفاخرة بين القطاع وإسرائيل، وأنه يتحدث العبرية بطلاقة، وأن له علاقات جيدة مع رجال أعمال عرب ويهود.

لقاء الشاباك مع المقاول وبداية النهاية..

 يتبع

ترجمة  " الحدث "