خبر : هذا حصار ...توفيق وصفي

الأربعاء 16 أبريل 2014 08:13 ص / بتوقيت القدس +2GMT



ليس من الحصافة أن يندفع الكاتب إلى مهاجمة الأطراف التي تتسبب في خنق أهله وناسه، فيذهب إلى كيل الاتهامات والتلويح باللجوء إلى ردود فعل غاضبة تجاه من يمسكون بمفاتيح كل أبواب الحياة، كالماء والكهرباء والوقود وحرية التنقل، عملا بوصية الأولين من زعمائنا ومخاتيرنا الداعية إلى عدم قطع شعرة معاوية، كي يظل للصلح "مطرح"!

أي مهارة وبلاغة وحذاقة على الكاتب أن يتمتع بها ليكتب نصاً واقعياً عن نكبة أهله، دون أن يُغضب الناكِب المحاصِر الخانِق، خاصة إذا كان الأخير شقيقا عربيا أو صديقا إسلاميا أو أمميا؟ لعل عليه أن ينظر في كل مرة إلى النصف الممتلئ من الكأس، وألا يستغرق في تأمل النصف الفارغ منها، تفاديا للحنق والغضب الأعمى الذي لا ينفع أحدا، إلا الذي يُحكم حصاره علينا، ليجد المبرر تلو المبرر لإظهارنا في أسوأ صورة، لسان حاله أننا قوم لا ينفع فينا إلا التعسف والظلم، وبالضرورة الموت!
لا أعرف عن وضع الأهل في الضفة الغربية إلا ما يظهر على شاشات القنوات المحلية وبعض القنوات العربية، بالإضافة إلى أنباء الفيسبوك وما أتبادله هاتفيا مع أصدقائي وزملائي هناك، بيد أنني أدرك بدرجة كبيرة من اليقين ما يجري للأهل في غزة، ليس لأنني ابنها وأعيش فيها وحسب، بل لأنني أعاني ما يعانون منه، وخصوصا في الجوانب الأساسية للحياة، التي لا تنفع فيها النقود كثيرا، إلا كجرعات منشطة أو منعشة، سرعان ما يتبدد تأثيرها، ليعود الظلام والشلل والجفاف فيعم من جديد، ويموت المريض ويخيب الطالب وتُفسَخ خطوبة العروس ويفقد الموظف وظيفته، لأن البلد محاصر، ومعابره إلى الدنيا مغلقة.
لم أفقد الأمل في تبدّل الحال، ربما انطلاقاً من أن ثمة ساعة للحقيقة ستحين ذات مرة، فنجد أنفسنا نحن الفلسطينيين مكرهين أو صاغرين على أن نتفاهم ونتفق على إدارة حياتنا تحت الحصار، بعد أن نضع جانبا ما يفرقنا، ولو كهدنة معينة لوقف السجال والنزال و"الهبش" فيما بيننا، لمنح الشعب "الغلبان" الذي يتسوّل الساسة رضاه في الانتخابات فسحة من الأمل، والعودة إلى رصيف الاصطفاف على حافة المجهول المخيف، الذي ترتفع فوقه راية واحدة، تُذكر الشعب مرة أخرى بأن ثمة قضية واحدة اسمها قضية الشعب الفلسطيني، وليس فقط القضية الفلسطينية، فأي قضية للأرض أو المقدسات بلا شعب، ولنا في وحدة الأسرى في سجون الاحتلال أسوة حسنة!
الحصار هذه المرة محكم، من الشمال والشرق والغرب والجنوب، وبالرغم من عتب أهل غزة على الجار الجنوبي الشقيق طمعاً في تخفيف حدة الإجراءات المتعلقة بتنقل الغزيين عن طريق مصر، فإن ما يغيب عن كثيرين أن غزة تحت الاحتلال وليست حرة كما يتخيلون، وعلى ذلك فإن من يجب أن يوجه له أهل غزة وفلسطين غضبهم ولعناتهم هو الاحتلال الإسرائيلي، سبب كل أزماتهم الحياتية، دون إغفال أهمية تفعيل العلاقة مع الجار الشقيق المصري في اتجاه تعميق المودة والتضامن بين الشعبين الشقيقين، مهما كانت الظروف.

tawfiqwasfi@yahoo.com

توفيق وصفي