عبرت خطوة الرئيس محمود عباس بالتوقيع على 15 معاهدة واتفاقية وبروتوكولاً دولياً عن تحول مهم في الكفاح على الساحة الدولية أغضب إسرائيل التي رأت في هذا السلوك محاولة فلسطينية للتصرف كدولة مستقلة أكثر من كون التوقيع بحد ذاته يؤذي إسرائيل، خاصة وأن المعاهدات والاتفاقيات التي وقعها الرئيس تتعلق أساساً في غالبيتها بوضع السلطة والنظام الفلسطيني ربما باستثناء اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبرتوكول الملحق بها التي تتعرض لمكانة المواطنين تحت الاحتلال والأراضي المحتلة ووضع أسرى الحرب.
وما أغضب إسرائيل هو تجرؤ الفلسطينيين على تحدي إسرائيل والخروج من عباءتها والتوجه للمجتمع الدولي كطرف مستقل له مكانة سيادية، وهذا بدوره قد يقود إلى ما هو أسوأ في الطريق إلى محاصرة إسرائيل ونزع الشرعية عن احتلالها وإجراءاتها وسياساتها في الاراضي المحتلة التي تتناقض بطبيعة الحال مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. ولكن بين مناكفة إسرائيل والجدية في تطبيق الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات الدولية واستكمال العمل على الانضمام لباقي المواثيق والمعاهدات والمنظمات الأممية التخصصية هناك فرق كبير.
السلطة الوطنية مطالبة بالعمل على إحداث التغييرات التي تتطلبها عملية الانضمام للاتفاقات حتى تستفيد من عملية التوقيع لتحسين صورتها فيما يتعلق بالتأسيس لنظام ديمقراطي قائم على المساواة في الحقوق بين المواطنين بغض النظر عن الدين والجنس والعمر ويحارب الفساد وكل اشكال العنصرية والتمييز. و ما هو عاجل في هذه المرحلة هو وقف التمييز ضد المرأة التي تعاني اضطهاداً مزدوجاً واضطهاد المجتمع هو الأبشع والأسوأ، على ضوء تزايد عمليات قتل النساء على ما يسمى خلفية "الشرف" فعدد النساء الفلسطينيات اللاتي قتلن على هذه الخلفية العام الماضي هو 26 امرأة حسب إحصائيات بعض المؤسسات النسوية، بينما قتلت 29 امرأة بين عامي 2007 و2010 . وهذا يدلل على ازدياد كبير ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
للأسف يتذكر المجتمع والقيادات السياسية والمجتمعية حقوق المرأة والحاجة إلى إنصافها وتعديل القوانين التي تجحف بحقوق المرأة عندما تحدث حالة قتل مروعة على خلفية ما يسمى "الشرف"، وكانت أقوى ضجة حول هذا الموضوع في العام 2011 في شهر ايار عندما قتلت الفتاة آية برادعية من بلدة صوريف. وفي ذلك الوقت تنادت قيادات المجتمع والسلطة لتغيير الوضع القائم، حتى أن الرئيس ابو مازن أصدر قراراً يقضي بتعديل مواد في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 الساري في المحافظات الشمالية، وفي قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936 الساري في المحافظات الجنوبية، وإلغاء المادة 340 بفقرتيها من قانون العقوبات رقم 16 وتعديل نص المادة 18 من قانون 74. وفي العام 2012 قرر الرئيس تشكيل لجنة من مستشاره القانوني حسن العوري ووزير العدل علي مهنا في 11-8 2012، بعد مقتل فتاة في السموع في محافظة الخليل، لدراسة قانون الأحوال الشخصية وتعديله لحماية المرأة من الاضطهاد والتمييز وإجراء تعديلات على قوانين وتشريعات أو استحداث تشريعات جديدة. والغريب هو لماذا لم يتم التعديل المطلوب حتى الآن؟
تقول مصادر في مجلس الوزراء أن هناك تعديلات مطروحة على أجندته وهو يعمل على استكمالها وقد تجري المصادقة عليها خلال أسبوعين وهذه التعديلات تطال القوانين المخففة المتعلقة بارتكاب جرائم قتل النساء بادعاء "الشرف"، حيث ينص القانون على عقوبات متساهلة مع الرجل الذي يقتل امرأة من أقاربه أو يعتدي عليه إذا ادعى أن هذا تم بدافع الشرف، وكذلك الأمر لو تم إجبار فتاة من قبل أهلها على الإجهاض لنفس الذريعة. والتعديلات المقترحة تساوي بين قتل المرأة وقتل الرجل، وتلغي وتعدل البنود المخففة في هذه الجرائم بما في ذلك المتعلقة بتقديرات القاضي بالنسبة لثورة الغضب التي ستصبح الجرائم ضد المرأة بحجة الشرف مستثناة منها.
لا شك أنه إذا تم ذلك بسرعة سيكون خطوة مهمة إلى الأمام وسيكون الانضمام إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" اول بشائر الخير للمرأة الفلسطينية، ولكن هذا ليس كل شيء فهناك أشياء عديدة تتعلق بحقوق المرأة في الزواج والأسرة والميراث وغيرها بحاجة إلى تعديل حتى تتحقق المساواة الكاملة للمرأة.
واتفاقية "سيداو" هي عبارة عن وثيقة دولية تدعو للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات والميادين وهذا يشمل إلغاء أو تعديل القوانين والأنظمة والتشريعات والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزاً ضد المرأة، وإقرار الحماية القانونية للمرأة بالمساواة مع الرجل، وإلغاء قوانين العقوبات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة، وتعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية ولسلوك الرجل والمرأة. بالإضافة إلى ضمان حقوقها السياسية والعامة.
باختصار هذه الاتفاقية التي انضممنا إليها تمثل طوراً متقدماً جداً في موضوع المساواة بين الرجل والمرأة ، بحاجة إلى دراسة وتطبيق ليس فقط على مستوى القوانين والتشريعات بل على مستوى السلوك العام والثقافة المجتمعية.
كل هذا مهم مع أن ثقافة المرأة ووعيها لحقوقها ودفاعها عنها مسألة لا تقل أهمية في النضال من أجل تحصيل وتكريس هذه الحقوق، وفي مجتمعنا تؤمن كثير من النساء بأفضلية الرجل وما يسمونه قوامته على النساء وهن مستعدات لدعم الرجل والانحياز له ضد المرأة، وهذا للأسف جزء من الثقافة التي يحصلن عليها وتنزرع عميقاً في وعيهن وهذا بحاجة إلى تغيير، ودور المنظمات النسوية بدون ريب له أكبر الأثر في إحداث التغيير المطلوب.


