لا أعتقد أن لدى قيادتنا أية أوهام تتعلق بالعملية التفاوضية، بل أكاد أجزم أنها أكثر قناعة، بعد تجاربها العسيرة والمريرة أثناء هذه العملية وبعدها وخلالها، أن الأمر يتعلق أولاً وقبل كل شيء بإطالة أمد هذه العملية أطول وقت ممكن، ما عاد هناك من يستطيع أن يدعي بأن حكومة نتنياهو، الحالية لو حتى "بعد التعديل" تمتلك الإرادة والرغبة في التوصل إلى نهاية ناجحة لأي عملية تفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحتى الأحزاب والقوى داخل حكومة نتنياهو، وفي المعارضة، تمتلك الإرادة لمثل هذا الأمر، والتصريحات التي نشهدها بين وقت وآخر، المتعلقة بضرورة الالتزام باستحقاقات العملية التفاوضية من قبل بعض الأطراف داخل الحكومة وخارجها، ما هي إلاّ جزء من اللعبة السياسية الحزبية الداخلية، أكثر منها التزاماً باستحقاقات العملية التفاوضية.
هناك معارضة في إسرائيل للعملية التفاوضية، وهناك معارضة فلسطينية لهذه العملية وخاصة التمديد لها، لكن الفرق كبير، إذ أن معارضي هذه العملية في إطار حكومة نتنياهو، يشكلون غطاءً "مدروساً" لابتزاز الولايات المتحدة والفلسطينيين، والحديث في الآونة الأخيرة حول انتخابات برلمانية مبكرة في الساحة الحزبية الإسرائيلية، هو التعبير عن مدى قدرة نتنياهو على توظيف هذا الحديث لصالح رؤيته الابتزازية، بينما في الجانب الفلسطيني فإن الأمر مختلف تماماً، إذ لا يتم استثمار المعارضة لهذه العملية في اتجاه ابتزاز أي طرف، وقدرة الجانب الفلسطيني، رغم المعارضة الفلسطينية على الالتزام بالاتفاقات والعهود، هي أكبر بكثير من التزام حكومة نتنياهو بأي اتفاق أو تعهد.
هذا الأمر يحيلنا إلى القول الإسرائيلي المألوف، من أن ليس هناك "شريك فلسطيني" والحديث هنا عن "أبو مازن" الذي يعتبر شريكاً قوياً وبامتياز، ذلك أنه يمارس قناعاته المعلنة ووفقاً لبرنامجه الانتخابي الذي أهله للرئاسة وفقاً لانتخابات ديمقراطية، ليس هناك من خبايا أو تكتيكات تتعلق بهذه القناعات، أما في الجانب الإسرائيلي، الذي يحلو له أن يشكك بالشريك الفلسطيني، فإن التجربة الواضحة باتت تؤكد أن فهمه للسياسة، يعني الكذب والخداع والمماطلة، وفقاً لبرنامج "باطني" بات مع التجربة مكشوفاً للقاصي والداني حتى الولايات المتحدة التي اضطر وزير خارجيتها جون كيري إلى "بلع" تصريحه حول مسؤولية حكومة نتنياهو عن فشل المفاوضات، ولعل فشل الإدارة الفلسطينية في تأكيد عدم وجود شريك إسرائيلي، هو الذي يشجع الإسرائيليين على اتهام أبو مازن والجانب الفلسطيني عموماً بأنه ليس بالشريك المناسب.
وها نحن نتابع الشأن الداخلي الإسرائيلي كونه يتعلق ارتباطاً بشأننا الفلسطيني، ونستطيع أن نرى بكل وضوح أن نتنياهو عاجز عن إدارة حكومته، ويخشى سقوطها بسبب العملية التفاوضية بينما نجد الجانب الفلسطيني أكثر تماسكاً، على صعيد القيادة فيما يتعلق بالعملية التفاوضية واستحقاقاتها، تراجعت هذه القيادة عن شرط وقف العملية الاستيطانية، الأمر الذي أدى إلى استئناف هذه العملية، من دون أن يشكل هذا الأمر أي اختلال في الجانب الفلسطيني، بينما نجد أن هناك حكومة غير متماسكة في إسرائيل تكاد تتصدع مع كل خطوة في اتجاه الالتزام بهذه العملية، وإذا كان لا مجال هنا للمقارنة، فإن الشريك الحقيقي في العملية التفاوضية هو الجانب الفلسطيني، أما فيما يتعلق بالجانب الإسرائيلي فإن الحديث عن التصدع والانتخابات المبكرة، ما هي إلاّ أدوات لإفشال أي تقدم يحرزه الراعي الأميركي لهذه العملية.
وإذا ما كتب التمديد للمفاوضات، فلا شك أن تجربة الجولة الحالية وما انتهت إليه ستظل رهن الاعتبار لتصحيح الأداء في المرحلة المقبلة، ويقول آخر، فإن ما بين الجولتين يشكل حاجزاً موضوعياً لأداء مختلف، ونعتقد أن الجانب الإسرائيلي سيظل على مساره المتعلق بابتزاز الراعي الأميركي حول حكومة نتنياهو، أما الجانب الفلسطيني الذي وجد التشجيع لدى إقدامه على خطوة متأخرة بالتوجه إلى المنظمات والمعاهدات الدولية، فعليه أن يفعل قدراته الإعلامية على المستوى الداخلي والخارجي، وإرسال رسائل واضحة إلى المجتمع الإسرائيلي والرأي العام في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق "بحكاية الشريك" ونعتقد أن إمكانياتنا الفلسطينية معطلة تماماً في هذا الجانب، فلا تكاد رسالتنا الإعلامية تصل إلى الجمهور الفلسطيني، فكيف الحال إذا كان الأمر متعلقاً بالرسالة الموجهة إلى الخارج بما فيه إسرائيل، هذا إذا كانت هناك رسالة من الأصل.
نحن على أبواب مرحلة جديدة، مع التمديد للمفاوضات أو بدون ذلك، خياراتنا محدودة، لكن ذلك يجب أن يشكل ضاغطاً لتفعيل كافة الإمكانيات المتاحة، ولا نظل نلهث وراء مُسلَّمات تعفينا من المسؤولية، مثل القول إن إسرائيل مدعومة بأجهزة الإعلام الأميركية واللوبي الصهيوني وإمكانياته، هذا صحيح، لكن ذلك يضاعف من مسؤوليتنا ولا يعفينا منها، وإذا كان من لوم فإنه يقع على عاتق القيادة الفلسطينية التي لم توفر أداة إعلامية ناجحة ومهنية حتى الآن، وبالإمكان إذا ما توفرت الإرادة تصحيح هذا الأمر الجسيم.. وما زال هناك متسع من وقت لتحقيقه.. لكنه ليس بالوقت الطويل!!
hanihabib1954@gmail.com


