خبر : عن الرياضة والسياسة وأشياء اخرى ...بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 14 أبريل 2014 12:22 م / بتوقيت القدس +2GMT
عن الرياضة والسياسة وأشياء اخرى ...بقلم: عاطف أبو سيف



كان مجرد سؤال عابر عن فريق كرة الطائرة في المخيم الذي تربيت على تشجيعه ومتابعة أخباره منذ طفولتي. كانت الإجابة مخيّبة بشكل كبير عاكسة حال الرياضة الفلسطينية في ظل الإنقسام الذي قضى علينا. كان نادي خدمات جباليا أفضل أندية قطاع غزة والضفة الغربية في كرة القدم، وكنا نلتف خلف فريقنا بشغف ومتابعة وتشجيع منقطع النظير. كان ذلك اول عهدنا بالرياضة قبل أن يتوسع ليشمل متابعة كرة القدم وفرق المخيم المختلفة التي ظهرت بعد ذلك.
لكن ظل انتماؤنا لفريق المخيم تعبيرا ربما عن انتمائنا للمكان ولفطرة المتابعة الاولى. لست رياضياً بالشكل الذي قد يقترحه مثل هذا الحديث السابق، لكنه شيء مرتبط بالذاكرة والنضوج.
كان نادي المخيم ينافس على المرتبة الاولى بجدارة في مباريات حامية تجري على أرض نادي الخدمات – كان وقتها النادي الوحيد في المخيم- او على أرض أندية اخرى في قطاع غزة والضفة الغربية. وكان يستضيف البطولات الكبرى (بقدر ما كان ذلك كبيراً) وتفد الفرق من الضفة الغربية لمنافسته. أذكر مثلاً المباريات الملتهبة مع فرق الأمعري والجلزون وبلاطة وكيف كنا نجلس حول فريقنا نشجعه بحماسة كبيرة، كما كنا نحضر السباعيات الرمضانية التي كانت تتم في النادي ويتخللها المسابقات الثقافية وتوزيع الجوائز. بالطبع ضمن هذه الثقافة كان النادي أكثر من مجرد مكان للعلب الكرة، بل كان حيزاً وفضاءً اجتماعياً تتفاعل فيه مكونات المجتمع. هذا إلى جانب البعدين السياسي والنضالي المتداخلين في هذه العملية، فالتربية الوطنية وتعزيز الهوية والإنتماء كلها كانت مخرجات طبيعة لعملية التفاعل والتكامل تلك.
ليس هذا فحسب، بل إن الرياضة كانت في ذلك الزمن الجميل قبل أكثر من ثلاثة عقود حاضنة للوعي السياسي وليست مدمر له، منمية للمشاعر الوطنية وليست قاتلة لها. كان المخيم يمتلئ بالفرق الرياضة المختلفة خاصة فرق كرة القدم اللعبة الأكثر انتشاراً بعد ذلك، حيث كانت كل حارة لها فريقها الخاص الذي تقوم بمنافسة الحارات الأخرى به ضمن ترتيبات عفوية تتم بين الحارات تنتج نوعاً من النظام المذهل الذي يشد الجميع حوله لمتابعته. وفي ظل ذلك نمت فرق كبرى صارت صاحبة صيت وجاه في المخيم ولها مشجعوها وأنصارها الذين يلتفون حولها ويؤيدونها ويتعصبون لها، لكنه تعصب جميل مفعم بالتسامح والمحبة. كانت فرق مثل فريق النصر وفريق الطليعة وفريق الصقر وفريق العمل وفريق الفاخورة. بالطبع كان ثمة ميول سياسية وراء تلك الفرق ففريق العمل كان في أغلبه لأبناء المخيم من الجبهة الشعبية وفريق الطليعة لفتح. لكن أبطال المخيم من هذه الفرق كانوا أبطالاً للجميع، وظلوا كذلك في ذاكرتنا حتى اليوم دون أن نحسبهم على هذا التنظيم وذاك.
كان الشهداء أنور المقوسي ومحمد بركات وبسام الأقرع ورياض جابر وصلاح وعادل أبو ركبة وبالطبع العشرات غيرهم ممن كانوا أبطالاً حقيقين للناس جميعاً، ولم يكن يهم انتماء او تنظيم أي واحد منهم. كانوا أبطالاً شخصين لنا ولذاكرتنا وظلوا كذلك.
كانت السياسة تدخل من اجل أن تنظم الرياضة لا من أجل أن تمزقها. بمعني كان وجود أبناء هذا التنظيم في الفريق عملية متعاكسة، فمن جهة فثمة حاجة لوجود حواضن اجتماعية يمكن لأبناء التنظيم أن يتفاعلوا من خلالها ويعبروا عن المشترك بينهم في ظل عدم مقدرتهم المجاهرة بولائهم لهذا التنظيم أو ذاك بسبب الاحتلال، ومن جهة أخرى فإن الانتماء السياسي يعزز التضامن حول الفريق الذي يوجد في الهواء بلا مكان محدد ولا نادي، ولا شيء بل إنهم يتعاونون في جمع المال وشراء الملابس والكرات وما يلزمهم. وكانت تلك الاماسي الجميلة التي يلعبون فيها فيما كان يعرف وقتذاك بالمتنزه (الذي تحول بعد ذلك إلى امتداد للسوق) من أجمل أوقاتنا نحن الفتية في ذلك الوقت حين نتقاطر من الحارات المختلفة حيث مشاعرنا وانتماؤنا وترفيهنا وغضبنا وانكساراتنا إذا خسر فريقنا.
كأن كل شيء انتهي الآن. عرفت ان نادي الخدمات هبط مستواه والشكر موصول في ذلك للانقسام العظيم ولسيطرة جهة محددة على مجلس إدارته وتحويله لاقطاعية حزبية، ولم يعد يشكل حاضنة يلتف حولها أبناء المخيم. كما اختفت فرق الساحات الشعبية والحارات وهي ظاهرة أظن اننا بحاجة لأن نعمل على إحيائها وتفعيلها وإعادتها إلى موضعها الطبيعي لأهمية ذلك. أما الأندية الاخرى فليست بأحسن حال. هل سمعتم فثمة اقتسام للاندية وتوزيع لمجالس إدارتها بين التنظيمات فيما يعرف بـ"الوفاق الرياضي" حيث يكون مجلس إدارة هذا النادي مقسما بين فتح وحماس وبعض التنظيمات الأخرى ضمن منهجية إنقسامية يغار منها فيثاغورس لو قام من قبره. أما المحصلة فإن سيدنا العظيم الإنقسام سيعيش للأبد فنحن نتعامل معه وفق هذا الأساس.
الملاحظة الثانية في هذا السياق، من يلاحظ عدم الاهتمام المحلي بالرياضة المحلية مقابل الانصراف الجارف نحو متابعة الكرة الاجنبية عليه أن يحمل علامة استفهام كبرى ويسير بها في الشارع. صحيح أن ثورة الاتصال وعملية الكوكبة والعولمة قصّرت المسافات وسهلت عمليات البث والنقل وصار من الممكن أن تحضر المباراة مباشرة من روما وانت في بيتك كأنك في الملعب، وصحيح ان توسيع الثقافة الرياضية أمر هام ويعزز الوعي الكروي، لكن الذي غير صحيح أننا ربما نكون المجتمع الوحيد الذي يكون فيه التأييد للكرة الأجنبية أكثر من تأييدنا للكرة المحلية. ففي شوارع بكين كما موسكو كما مكسيكو يؤيدون برشلونة ومدريد لكنهم يؤيدون فرقهم المحلية أكثر.
إن استطلاعاً للرأي سيكون صادماً في ذلك، وأنا اقترح على مراكز الاستطلاعات التي ترهقنا ببيانات حول التوجهات السياسية كل ظهر وعصر أن تكشف لنا عن بعض المخبوء من توجهاتنا المختلفة، لأن كل ما نقوم به يعكس أيضاً شيئاً منا. كما اننا نتعصب لفريقنا الاجنبي تعصبنا لتنظيمنا وحزبنا، وليس عليكم إلا أن تشاهدوا مباراة بين برشلونة ومدريد في المقاهي الكبري لتروا التعصب إلى أي مدى يصل!!!
عمومأ كنت ستكون محظوظاً في ذلك الزمن الجميل، كما حدث معي، لو كان اليوم عيد ميلادك وحضرت مباراة بين فريقين ولا تكون متعصباً إلا ليوم مولدك.