استثنت حكومة نتنياهو، ملفين من ملفات العلاقات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك عندما اتخذت هذه الحكومة إجراءات وقرارات انتقامية عقابية ضد الجانب الفلسطيني إثر قرار القيادة الفلسطينية التوجه لنيل عضوية المنظمات والمعاهدات الدولية، هذان الملفان هما ملف الأمن والتنسيق الأمني، وملف المفاوضات، أي أن الجانب الإسرائيلي اختار الإبقاء على ملفين من شأنهما الإبقاء على المصالح الإسرائيلية البحتة من استمرار هذه العلاقات والاتصالات مع الجانب الفلسطيني، وكان من المعتقد أن القيادة الفلسطينية وبعد أن اتخذت قرارها الشجاع بالتوجه إلى المنظومة الدولية، لن تستجيب لهذه القرارات الإسرائيلية الانتقامية، وإذا كانت القيادة الفلسطينية لا تملك الكثير من الخيارات في مواجهة هذه العقوبات الانتقامية، فعلى الأقلّ، كان من المعتقد أن القيادة لن تسمح لحكومة نتنياهو باختيار ملفات الانتقام "من جانب واحد" وأن القيادة ستوقف من جانبها العمل والاتصالات بشأن هذين الملفين، الأمن والمفاوضات.
وفيما لو اتخذ الجانب الفلسطيني هذا الرد على القرارات الانتقامية الإسرائيلية، لوجه رسائل عديدة تقوي من موقفه حتى في سياق أية مفاوضات قادمة، ذلك أن مثل هذا الرد أن يوجه رسالة قوية مزدوجة إلى كل من إسرائيل والراعي الأميركي، من أن الجانب الفلسطيني لن يسمح بتمرير الاشتراطات الإسرائيلية بعد الآن، وأن انعدام الثقة بالجانب الإسرائيلي أكبر وأوسع مما يعتقد الراعي الأميركي نتيجة لتنصل الجانب الإسرائيلي ـ من استحقاقات الجولة الحالية من المفاوضات عندما تتصل من الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في إطار الدفعة الرابعة، وإذا كانت إسرائيل قد بررت عدم الإفراج عن أسرانا الفلسطينيين من مناطق 1948، كونهم يحوزون على الجنسية الإسرائيلية، فإن إسرائيل بدورها تطالب بالإفراج عن الجاسوس الأميركي جوناثان بولارد، رغم أنه أميركي الجنسية بالأصالة، مع أنه منح الجنسية الإسرائيلية فقط بعد حوالي عشر سنوات من إدانته بجريمة التجسس.
وعندما استفسرت من الأخ عزام الأحمد في إطار برنامج أذاعته إذاعة أجيال بالأمس حول هذا الأمر، أجاب أن إسرائيل لم تفعل هذه القرارات، وأنها سلمت دولة فلسطين بعد أيام قليلة من قرارها، مستحقاتها المالية، إضافة أن للجانب الفلسطيني مصلحة في استمرار التنسيق الأمني كونه يخدم في بعض جوانبه المواطنين الفلسطينيين، لكني لا أعتقد أن هذه الإجابة توفر رداً على القرارات الانتقامية الإسرائيلية "الانتقائية" وباعتقادنا وفي كل الأحوال كان يجب وقف العملية التفاوضية، سواء من خلال الاجتماعات التي يعقدها جون كيري أو ممثله مارتن انديك بعد قرار إسرائيل بوقف إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في إطار الدفعة الرابعة، وبذلك فوتت السلطة الفلسطينية فرصة تأكيد امتلاكها زمام المبادرة من جديد، كما فوتت فرصة أن تدرك كل الأطراف، أن المرحلة القادمة في حال نجحت الجهود للتمديد للعملية التفاوضية، تختلف عما كان الأمر عليه في الجولة الأولى من المفاوضات، إضافة إلى رسالة واضحة، من أن التمديد لهذه العملية مشروط بما تطالب به القيادة الفلسطينية وألا تراجع عن هذه المطالب، وأن القيادة الفلسطينية قد أعادت الاعتبار لاشتراطاتها بعدما تراجعت لإنجاح الجهد الأميركي لاستئناف العملية التفاوضية عن شرط وقف أو تجميد الاستيطان الأمر الذي أدى فعلاً إلى إنجاح هذا الجهد.
الكثير من المعلومات التي أصبحت ملك وسائل الإعلام، مما أشار إليه الأخ عزام الأحمد في برنامج إذاعة أجيال بالأمس، لكني أتوقف عند إشارته إلى أن الجانب الأميركي كان دائماً يطلع الجانب الفلسطيني على ما توصلت إليه الجهود الأميركية، لكن وزير الخارجية الأميركي، واعتقاداً منه أن ذلك سيسهل موافقة الجانب الفلسطيني على "اتفاق الإطار" أشار إلى أن بإمكان الولايات المتحدة تسليم الجانب الفلسطيني ورقة خطية بموافقة واشنطن على دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، عندها أصر الجانب الفلسطيني على أن ذلك غير كاف، إذ على واشنطن أن توجه مثل هذه الرسالة إلى الجانب الإسرائيلي الذي ينبغي الموافقة عليها علناً، إذ لا فائدة من "ضمانات" ورقية أميركية من دون موافقة الطرف الآخر في العملية التفاوضية، وأعتقد أن هذا الموقف صحيح تماماً، خاصة وأن الولايات المتحدة، من الناحية العملية، لا تعترف بالاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية وتعتبره ضمن الأراضي المحتلة عام 1967، ذلك أن الولايات المتحدة رفضت ولا تزال، أن تنقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة تعبيراً عن هذا الموقف.
وإذا كان السؤال الأكبر في هذا السياق، ماذا بعد 29 نيسان الجاري عندما ينتهي أمد هذه الجولة من المفاوضات، أعتقد أن الإجابة تكمن في مدى استثمار ما تبقى من وقت، لأداء فلسطيني قوي، هذا الأداء خلال هذه الفترة يجب أن يوجه رسائل محددة مفادها أننا لا نزال نمسك بخياراتنا ولن تردعنا أية قوة لكي نتراجع عن استحقاقات كوننا دولة في المجتمع الدولي، نقع تحت الاحتلال، وأن المجتمع الدولي والمعبر عنه من خلال المنظمة الدولية هي المسؤولة عن استمرار هذا الاحتلال لدولة عضو فيها، دولة ملتزمة بالقانون الدولي وتعمل في إطاره وتلتزم بقراراته وأنه آن الأوان لمعاقبة الدولة التي تتمرد على هذا القانون علناً وأمام أعين الرأي العام العالمي، نحبّ السلام لكننا لن نضحي بقضيتنا لأن ذلك يشجع على الخروج على القانون الدولي ولا يوفر السلام لنا وللعالم أجمع!!
hanihabib1954@gmail.com


