خبر : أبعد من أسوان ...ايمن الصياد

الأحد 13 أبريل 2014 12:23 م / بتوقيت القدس +2GMT
أبعد من أسوان ...ايمن الصياد



عندما هاتفنى القاضى الصديق صباح الأحد الماضى ليعرب لى عن قلقه من صورة «بشعة» نشرتها الصحف لعدد من الجثث المسجاة على عربة «كارو»، معتقدا أنها «صور أرشيفية» للحرب «الأهلية» فى الصومال، طالبا منى أن أتصل بمن أعرف من رؤساء التحرير لمعالجة «ما اعتبره خطأ جسيما»، أمهلته حتى أتيقن. وسرعان ما اكتشفت للأسف أن الصورَ/ المأساةَ حقيقية، وأن المصورَ هو أحد مصورى/ صحفيى هذا الزمان، الذى يحمل فيه كل منا فى جيبه هاتفًا محمولا يمكنه أن يلتقط الصورَ أو مشاهد الفيديو وينشرها فورا على مواقع التواصل الاجتماعى «الوسيلة الإعلامية الجديدة».

الصورة كانت للأسف من أسوان التى عهدناها «هادئة»، ولم تكن من الصومال حيث لم تكن هناك «دولة» يوما ما.

•••

كالعادة يريحُ البعضُ نفسَه بإلقاء تبعةِ ما جرى «ككل ما جرى» على عاتق «المؤامرة» التى يَحْمِلُ وزرها فى «كل خطابنا» الإعلامى، بل وبعض الرسمى هذه «الجماعة» أو تلك «الدولة». مما يذكرنا بأحاديث لم تتوقف لهذا الزعيم أو ذاك عن مؤامرات غربية أو «كونية»، لم تكن «واقعيا» لتنقذه أو تنقذ وطنه أبدا من مصير منطقى تؤدى إليه المقدمات «الواقعية». فلا خطاب صدام أو القذافى عن «المؤامرة» أنقذ أيهما من نهاية «الحفرة»، ولا خطاب البشير «أو جماعته» أنقذ السودانَ من تقسيم جاء نتيجة استفتاءٍ صوت فيه أكثر من ٩٩٪ من الجنوبيين للانفصال.

فى ملف ما جرى فى أسوان أوراقٌ كثيرة، بعضُها قديمٌ متوارث، وبعضُها متراكم، وبعضُها يرتبطُ بشعورٍ يتزايد بالعدمية، وانسدادِ الأفق.. وغياب دولة القانون. خاصة بين جيل جديدٍ يفكرُ «بطريقته .. لا بطريقتك».

فى الملف أوراقٌ روتينية «لا جديدَ فيها» مثلها مثل تلك التى يعلوها الغبار فى أرشيف المصالح الحكومية. ولكن فيه أيضا، وسط نشاز «الأسطوانات المشروخة»؛ عن المؤامرة.. والتنمية.. والقبيلة، ما لم ننتبه إليه، أو على الأقل ما لم نعطه حقَه من الاهتمام والدراسة والعناية. وسأحاول أن ألفت بعض الانتباه هنا إلى قضايا ثلاث أحسبها مع غيرها كانت فى خلفية المشهد الصادم، والصورة الدامية.

•••

١ــ المواطنة .. والهوية

يتحدث الجميعُ، فى المناسبات خصوصا عن «المواطنة». ورغم أن المصطلح، عبر الزمن كان قد جرى «خصخصته» واستخدامه من جانب كل اللاعبين والمغامرين، إلا أنه يظل فى تعريفه البسيط لا يعنى أكثر مما ينص عليه دستورنا الجديد «والقديم»، ككل الدساتير التى عرفنا من أن: «المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر». ـالمادة ٥٣، وهى المادة التى اعتقد المصريون بعد ما اعتبروه «ثورةً» فى يناير أنهم يستعيدون «بتطبيقها» ما جاءت لهم به ثورةُ يوليو من مساواةِ «كلُنا سيدٌ فى ظل الجمهورية»، إلا أن رياح السنوات الثلاث لم تأت بما تشتهى السفن، وأحلام «شباب» انخرط فى تنظيف «ميدان»الحادى عشر من فبراير ٢٠١١ سرعان ما تبخرت بعد أن اتضح أن أيا من الذين تولوا الأمر بعد «ثورة»، لم يكن جادا أو صادقا فى فهمه أن الثورة بالتعريف تعنى تغييرا جذريا لنظام ثار الناس عليه، وليس مجرد تغيير لساكن قصر تحكمه العقلية «التوليتارية» ذاتها. وأن حركة بهذا الحجم، إذا تم اختزالها فى إنهاء مخطط التوريث، أو توريث «جماعة حاكمة» لجماعة حاكمة أخرى، سيُبقى النار حتما تحت الرماد.

«كلنا سيدٌ فى ظل الجمهورية» الذى كنا نقرؤه على أغلفة الدفاتر المدرسية فى الستينيات «وما أدراك ما الستينيات»، أو «المواطنون ... سواء» الذى خطه بقلمه كل من كتب دستورا فى مصر، كان قد تحول بالتدريج إلى شعار لا مضمونَ له مع التغيرات المجتمعية (سياسية واقتصادية) التى أخذت مكانها فى المجتمع المصرى تدريجيًا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، مؤسِسَة لنظام مجتمعى «تمييزى»، ترعاه الدولة يقوم على السيطرة الكاملة، سياسيًا واقتصاديًا «للأوليجاركيا» التقليدية، التى كانت من الحمق بحيث لم تتردد أيضا فى كل استثمار ممكن «للهويات والانتماءات» الفرعية أو البديلة؛ قبليةٍ أو دينيةٍ أوعشائرية، لحسابات سلطة أو صندوق أو نفوذ. (فعلها الأمن، والحزب الوطنى والإخوان المسلمون، كلٌ بطريقته) مما تبخر معه تدريجيا الإحساس بالمساواة، الذى هو أساس الإحساس بالمواطنة. وكان ذلك، لمن نسى أو لا يريد أن يعترف، أحد الأسباب الرئيسة التى دفعت الناس إلى الشوارع فى تلك الأيام من يناير ٢٠١١، مطالبين «بإسقاط النظام» وكذا «بالعدالة الاجتماعية». مدركين الرابطة العضوية بين هذا وذاك. والحاصلُ فى نهاية المطاف أن «نظامًا» لم يسقط، وأن «عدالةً» لم تأت.

شكا المستيقظون بعد «حلم ثورة» من افتراض احتكار البعض للحقيقة المطلقة، ومن ثقافةٍ تراكمية بدت «تمييزية» للآخرين. فثار «الجمع» ثانية على «جماعةٍ» يعاقبونها على أنها احتفظت بالنظام مكتفية «بتغيير القبعات». ليتغير المسرحُ مرة ثانية ولكن تبقى (حتى اللحظة على الأقل) ثقافةُ الكواليس «التمييزية» حاكمة. بدا وكأن الصورَ والمشاهدَ والشخوص هى وحدها تتغير، أما «الملقن»، صاحب الثقافة والنص، فالبادى أنه لم يحتفظ فقط بالنص القديم، بل أخرج من حقيبته «الأكثر رداءة».

•••

٢ــ القانون..

تعلمت ممن أعرف من القضاة أن «العدالة» ليست مجرد نصوص وأحكام، بل «إحساس» يتحقق بأن يشعر الناسُ أن هناك من يمكنهم أن «يطمئنوا» الى حيدته وعدله فيحتكمون اليه فى نزاعاتهم وخصوماتهم. وأنه، إذا اهتزت، لسبب أو لآخر ثقة الناس بهذه المنصة، وذاك الميزان يفقد ا