خبر : بوتين والحسم الاعلامي د. عبدالله السعافين

السبت 12 أبريل 2014 08:35 م / بتوقيت القدس +2GMT
بوتين والحسم الاعلامي د. عبدالله السعافين



   أرسل الرئيس بوتين الشهر الماضي قواته فسيطرت على شبه جزيرة القرم دون أن تطلق رصاصة واحدة. هذا الحسم العسكري لم يكن يتحقق بهذه السهولة دون حسم اعلامي سبق أن أنجزه الرئيس الروسي بهدوء خلال السنوات الأربعة عشر الأخيرة.  فقد أدرك بوتين أهمية الاعلام والتلفزيون بالذات منذ عام 2000 عندما تمكن بفضل التلفزيون من تحقيق فوزه الرئاسي الكبير، فتحرك بسرعة ودون ان يضيع وقتاً لاختراق القنوات الخاصة والتأثير فيها وضبط سياساتها بطريقة تخدم توجهاته ورؤيته لروسيا في محيط السياسة الاقليمية والدولية متلاطم الأمواج.

 اتسمت سياسة بوتين تلك بالذكاء وطول النفس. فهو لم يغلق شبكات اعلامية او يعتقل العاملين فيها، ولكنه رسم خارطة طريق اعلامية تقوم على التحكم الرأسي في المعلومات، خطوة خطوة، على مدار 14 عاما وهكذا تمكن القيصر الجديد في القرم وفي مواجهات أخرى ربما تكون قادمة من قطف ثمار سياسة ممنهجة اتبعها لاحكام سيطرته على الاعلام ومناهج التعليم المدرسية والسياسة الثقافية العامة للدولة منذ توليه السلطة عام 2000.. تستحوذ قنوات التلفزة التي تملكها الدولة وهي: القناة الاولى و TVCو RTT و NTV  على  98% من المشاهدين في روسيا. 

ومنذ ظهور الأزمة الأوكرانية في نوفمبر تشرين ثاني الماضي والتي تمثلت في احتجاج الأوكرانيين على قرار حكومتهم بالتخلي المفاجيء عن اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، بدأت ماكينة الدعاية الروسية في العمل بنشاط، بهدف تشكيل رواية معينة للأحداث والتأثير عليها الى درجة غير مسبوقة منذ أيام الاتحاد السوفيتي.

 فقد بدأت وسائل الاعلام الرسمية وخاصة القناة الأولى المملوكة للدولة باعطاء وقت كبير من بثها للمعلقين الموالين للحكومة مثل ألكساندر بروخانوف، ووصم منتقدي الحكومة بالطابور الخامس، وحتى وصفهم بالخونة. 

ويقول مراقبون في العواصم الغربية ان ما يحدث في الاعلام الروسي يشبه ما كان يقوم به الرفيق زادنوف المسؤول عن الثقافة والاعلام في عصر ستالين. 

جميع هذه القنوات تشترك في نفس الخطوط التحريرية العامة تجاه تغطية ما حدث في القرم. فمثلاً تجدها جميعاً تركز على اظهارسكان القرم يلتقطون الصور مع الجنود الروس، وتصف الاعلام الغربي بأنه مصاب بالهستيريا، وأن الرئيس الامريكي أوباما منافق وذو وجهين، بينما يسعى الرئيس بوتين الى احلال السلام في العالم. 

في المقابل تتهم وسائل الإعلام الغربية الروس باستخدام اساليب الدعاية ذاتها التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية، فعلى سبيل المثال اعتبرت الجارديان والفايننشال تايمز أن الدعاية الرسمية الروسية لم تختلف كثيرا عن الدعاية التي سادت الحقبة السوفيتية.   ويقول منتقدو سياسة الرئيس بوتين الاعلامية ان وسائل الاعلام الرسمية تلجأ الى وسم  المسؤولين الأوكرانيين بصفات محددة تسيء لهم أو تشوه صورتهم.

 كما أنها تمزج بين الحقائق والرأي ضاربين مثلا لذلك في قول مراسل القناة الأولى: "ان أفعال نظام كييف من شأنها أن تؤدي الى فقدان الناس وظائفهم" لقد مني الاعلام الغربي بهزيمة واضحة في معركة التأثير والتوجيه، وبدأ الاعلاميون في كل من أوروبا والولايات المتحدة يعترفون بعدم قدرتهم على اختراق حصون الاعلام الروسي والتأثير في توجهات وعقول الشعب الروسي. حيث أشارت عدة استطلاعات رأي الى ان غالبية الروس يعتقدون أن الدولة لها الحق في الرقابة على الأخبار وتشكيل رأي عام وطني. 

الشعب الروسي اذن ليس عنده مانع ان يكون الاعلام موجها ويخضع لرقابة الدولة طالما خدم ذلك مصلحة الوطن وطالما رأى المواطن من قيادته شجاعة ومهنية في خوض معارك النفوذ والسيطرة مع الغرب وفي مقدمتها المعارك الديبلوماسية والاقتصادية. 

بوتين بالنسبة للشعب الروسي هو ستالين الجديد، والذي أكمل مسيرة لينين في القرن الماضي، مع فرق واحد ومهم هو أن بوتين أكثر شعبية من أي زعيم روسي سابق، خاصة لدى الناس العاديين الذين يعتقدون أن روسيا بحاجة الى قائد قوي يدير دفتها. ولعل أبسط تعبير عن هذا الاحباط الذي مني به الاعلام الغربي ما نشرته اكثر من وسيلة أعلام أوروبية وأمريكية من رسوم كايكاتورية تصور الرئيس بوتين محاربا شقياً يبول على العالم.