الجهد المثابر والجدي الذي يقوم به المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات"، يستحق الاحترام، والاهتمام من قبل صناع القرار سواء في المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية.
قبل يومين أنهى المركز مؤتمره السنوي الثالث الذي حمل عنوان "استراتيجيات المقاومة"، وشارك فيه عدد كبير من الباحثين، والسياسيين، وأهل الرأي، وكان الحضور الشبابي فيه متميزاً، سواء في مجال المشاركة بتقديم أوراق عمل، أو في المناقشات.
أكثر من ثمانين متحدثاً بين مشارك بتقديم ورقة عمل، ومعقب، عدا المناقشين وثمانية محاور أساسية شملت كافة جوانب العمل الوطني الفلسطيني. خضعت لعملية نقد، وتشخيص، واستشراف المستقبل، فيها من الخلاصات والاقتراحات ما يستوجب التوقف والتفكير، بما يقدم أرضية غنية لحوار وطني جامع تحتاجه الساحة الفلسطينية من أجل بناء استراتيجية وطنية فلسطينية شاملة.
حضر المؤتمر، عدد من المفكرين والكتاب والسياسيين من الضفة والقدس وغزة وأراضي 1948، وغاب عنه عدد آخر، لكن المحصلة كانت جيدة بالرغم من أن مشاركة غزة، في تحضير الأوراق الأساسية كانت محدودة جداً، وبالرغم من أن تقنية الفيديو كونفرنس، وهي الوسيلة المتاحة لتجاوز الانقسام، لا ترقى إلى المستوى التفاعلي المطلوب.
في ضوء هذا الازدحام الشديد، سواء بعدد الأوراق، والقضايا المطروحة للمعالجة، أو بعدد الحضور، ربما كان من الأفضل، تنظيم المؤتمر على نحو مختلف، يعطي فرصة أطول لحوار معمق، وذلك بتركيز النقاش على محاور محددة، ووفق جدول زمني متقطع وأطول.
وربما كان من الأفضل أن ينعقد المؤتمر في مكان آخر، خارج فلسطين وبحضور عدد أقل، لضمان جدية وعمق المناقشات، وتحقيق التفاعل المطلوب في حوار يتناول أبرز متطلبات النهوض بالواقع الفلسطيني وبمقاومة مخططات الاحتلال.
نعلم أن الأمر قد يتعلق بالتكاليف، بمعنى توفر الإمكانيات المادية لتغطية نفقات المؤتمر، هذا فضلاً عن الصعوبات اللوجستية خاصة فيما يتعلق بمشاركة شخصيات من قطاع غزة، في ضوء إغلاق معبر رفح ولكن يظل هذا التطلع مهماً، إذا أخذنا بالاعتبار الحاجة لمشاركة بعض المفكرين والمثقفين العرب، الذين سيغني وجودهم الحوار ويعظم المحصلة.
وهنا لا يمكن المرور باستخفاف على مسألة التمويل، إذ لا بد من تقديم الشكر للمؤسسات الفلسطينية التي رعت المؤتمر ومولته على الأرجح وهي مجموعة الاتصالات الفلسطينية، وشركة اتحاد المقاولين وناشر والسيد أكرم عبد اللطيف جراب رئيس مجلس إدارة بنك القدس.
ربما كان لهذا التمويل الوطني، دور مهم في إنجاح المؤتمر الذي لا قيمة له، إن خضع لشروط الممول الأجنبي.
من خلال الحضور والمتابعة، يمكن أن نسجل بضع ملاحظات أولاها: أن العقل الفلسطيني لا يزال مقيداً، وأن ثمة حاجة لإطلاقه طاقة العقل النقدي، الباحث عن الحقيقة، البعيد عن الرغبوية خصوصاً فيما يتعلق بالمشاركين من الأراضي المحتلة عام 1967.
من الواضح أن الانقسام الفلسطيني وحالة الاستقطاب والتمترس، خلقت ذهنية جامدة، على مواقف مكرورة، ومعزوفات، عفى عليها الزمان، ولا شك أن البعض مضطر، لأن يخضع نفسه وأفكاره، لرقابة ذاتية، أنشأتها، وعمقتها، الضغوط التي تمارسها السلطات الفلسطينية في الضفة وغزة.
ثانيها: المتحدثون من الفصائل وباسمها، لم يغادروا خطاباتهم ونبراتهم التقليدية، التي تخلو من الإثارة، ومن التأثير على المناقشين والمستمعين. لا يمكن القفز عن مساهمات ومواقف وقرارات الفصائل الفلسطينية بما لها من وزن كبير، في العمل الوطني، وفي حياة الشعب الفلسطيني، وبما أنها هي التي تتخذ القرار، وهي التي تتحمل أعباء النهوض، كما أعباء النكوص والتراجع ولكن هذه الوضعية للفصائل ومواقفها، تشير إلى ضعف عملية المراجعة والنقد، والاستعداد للتغيير.
خطابات الفصائل خصوصاً فيما يتعلق بالمصالحة، لم تحمل جديداً ولم يكن من المتوقع أن تحمل جديدا، عدا عما نعرفه، من خطابات المناكفة، وتحميل الآخر المسؤولية، أو الإكثار من الموجبات بالنسبة للفصائل الأخرى عدا فتح وحماس.
الملاحظة الثالثة، تتعلق بالجدوى، وهذه تتصل بآليات اتخاذ القرار في المؤسسات الفلسطينية. الاخوة على مستوى صناعة القرار بعيدون كل البعد عن الاستفادة من مثل هذه الأبحاث والدراسات والمناقشات، وهم في الغالب لا يسمعون إلاّ أصواتهم وهمساتهم، وربما يتشككون فيما يصدر عن الآخرين.
المركز، ومراكز أخرى متخصصة، أنتجت أوراق عمل كثيرة، تنطوي على أهمية نظراً لالتصاقها بالأولويات والهموم الفلسطينية، والمركز على سبيل المثال، قدم معالجات هامة لملفات المصالحة، ولبنية المؤسسة الفلسطينية، وللمشروع الوطني، وحوامله. النتيجة أن هذه الملفات والأوراق تتراكم، بدون أن تكلف نفسها القيادة الفلسطينية، أو قيادات الفصائل صرف جزء من وقتها "الثمين"، للاطلاع عليها والاستفادة منها.
ومع أن اللوم لا يقع بطبيعة الحال على المركز، أوعلى المفكرين والباحثين إزاء كيفية التعامل مع ما يقدمونه من أفكار ومشاريع ونصائح، وخلاصات إلاّ أننا سنعود ونسجل انتقادنا، للمؤسسة الرسمية وغير الرسمية الفلسطينية التي دأبت على تجاهل مثل هذا الجهد القيم. ويبدو أن القيادات استمرأت على مدار الوقت والتجربة، الاعتماد على كتاب الوحي، والمستخدمين من أهل الفكر والثقافة، لأن حرية العقل لا تناسب العقول المتكلّسة، التي لا يأتيها الخطأ من يمينها أو يسارها.


