لم تعان القضية الوطنية الفلسطينية من شيء في محيطها الخارجي اكثر من معاناتها من محاولات الهيمنة على قرارها الوطني من القوى العربية والإقليمية الخارجية.
وفيما كانت مواقف الدول الغربية منحازة بشكل لافت منذ ارهاصات الصراع قبل اكثر من قرن من الزمن، فإن دول الجوار كانت تسعى إلى السيطرة على الموقف الفلسطيني، بل إن هذا الموقف عانى في فترات كثيرة من تغييب مقصود له، حيث بدا الشعب الفلسطيني وكأنه ليس شعباً يستحق أن يدافع عن حقوقه ويمثلها. وكان تأسيس منظمة التحرير وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في بدايات ستينيات القرن الماضي تغييرا واضحا في هذا المسار على الأقل من جانب الفلسطينيين. ولم يكن هذا بلا ثمن بأية حال.
ولم يكن القرار الوطني مجرد شعار تم رفعه بل كان دائماً يعني جملة من المواقف والتعبيرات السياسية التي خضبت بدماء كثيرة وتم دفع استحقاقها عبر شبكة معقدة من الخلافات والتحالفات والافتراقات. لذا كانت فكرة القرار المستقل تعبر، ضمن أشياء كثيرة، عن جوهر شرط الوجود الفلسطيني الذي لا ينفي نفسه من محيطه العربي، بل هو يؤكد على الالتزام العربي تجاه القضية العربية الكبرى – فلسطين- لكنه في نفس الوقت يؤكد على أن صاحب القرار في قيادة بوصلة الصراع هم الفلسطينيون لأنهم يشتبكون بشكل مباشر ويومي مع الاحتلال ومع تجسيداته. ولم يكن هذا الشعار ليرفع لولا وجود نزعات عربية وإقليمية لاحتواء القرار الفلسطيني واعتبار الفلسطينيين مجرد جزء من منظومة اكبر. وبالتالي تعزيز المقولة الصهيونية من ان للفلسطينيين أماكن كثيرة يمكن لهم ان يلبّوا فيها مشاعرهم الوطنية. بيد أن الأغرب من هذا، والأكثر خطورة، هو الاستخدام الأدواتي للقضية الفلسطينية لدى الكثير من الاطراف العربية والإقليمية لخدمة اهداف وأجندات غير نبيلة، بل هي في مجملها صادمة للحقوق العربية.
ففيما كان مثلاً نظام الأسد، الذي يتعرض لهزات الربيع العربي منذ سنوات ثلاثة- يمنع الاشتباك مع الجيش الإسرائيلي الذي يحتل هضبة الجولان بل إنه يحظر النشاط الفلسطيني المقاوم هناك- متخلياً عن دوره الوطني ناهيك القومي لتحرير أرض من قطره المحتل- فإنه كان يبيح لنفسه التدخل في أعمال وتصرفات فصائل الثورة الفلسطينية وبعد ذلك الفصائل الإسلامية الفلسطينية قبل الطلاق معها بعد الربيع العربي.
يعيد رفع "حماس" المتكرر لصور بعض المسؤولين العرب والاتراك من فينة لأخرى التذكير بهذا النقاش حول جدلية العلاقة الفلسطينية مع الجوار العربي والإقليمي. كانت آخر هذه الصور المرفوعة، والتي أحتلت حيزاً كبيراً من النقاش والجدل على صفحات التواصل الاجتماعي، الصورة المرفوعة على مفترق السرايا والتي تضم امير قطر تميم ووالده حمد ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ونائبه رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية ورئيس وزراء تركيا أردوغان. وفي مرات سابقة كانت صور للرئيس المصري المعزول محمد مرسي قد رفعت في ذروة الصراع المصري الداخلي، كما رفعت صور الشيخ القرضاوي. ولمن يتذكر في بعض المرات رفعت في المسيرات صور القذافي والأسد حين كانوا أصدقاء، بل صور نجل القذافي.
انا لا أعرف ما هو المذهل والمثير في الوطنية الطافحة لأمير قطر ووالده وثوريتهما منقطعة النظير كما تقترح الصورة المرفوعة والتي تقول إن "القدس تنتظر الرجال". أنا بصراحة بحاجة لعاقل يخبرني بعيداً عن المال السياسي الذي يرسل بأثمان باهظة عن موقف قومي واحد لمشايخ قطر. أريد لأحد أن يفاجئني بجهلي في معرفة التاريخ مثلاً فيباغتني بحدث تاريخي عن مواقف بطولية لقطر، او أن يرجمني بأسرار نووية لا يعرفها أحد عن هذه الوطنية المزعومة. بالطبع سأنسى أن قطر كانت المحرك الأهم في الهجوم الثلاثيني على العراق عام 1991، ومن القواعد الاميركية فيها احتلت بغداد الرشيد، كما ان فيها مكتب تمثيل تجاريا لإسرائيل ولها مثله في تل ابيب، كما أنها المحرك الأهم في طبخة تمزيق سورية وتطييفها (من الطائفية)، وعشرات بل مئات الشواهد.
الأمر ذاته وبطريقة مختلفة يمكن سحبه على السيد أردوغان الذي يستخدم القضية الفلسطينية في معاركه التركية الداخلية من اجل الاستقطاب الداخلي، فيما علاقات تركيا مع إسرائيل تشهد تحسناً غير مسبوق خلال العام الاخير منذ أكثر من عقد من الزمن. حتى في لحظات توتر العلاقات التي تلت ما يعرف بحادثة مرمرة فإن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تشهد انتكاسات كما يحلو للبعض ان يصور بل إنها شهدت تراجعاً في مستوي تقدمها، حيث لم يتم وقف العلاقات العسكرية ولا التبادل التجاري الذي تواصل باضطراد. قد تكون معنويات من رفع الصورة قد ارتفعت حين فاز حزب أردوغان في الانتخابات البلدية الاخيرة في تركيا رغم المظاهرات التي خرجت ضده في ميدان تقسيم في اسطنبول والمواجهات مع الشرطة وشبهات الفساد حول فريق عمله السياسي، لكن في النهاية فإن من فعل ذلك قرر نيابة عني وعن مجموع الشعب الفلسطيني أننا نحب اردوغان ونصطف معه ضد خصومه السياسيين.
أمير قطر ووالده (وانا اقترح أن نضع صورة الحفيد بالمرة) إذا كانا جيدين فهما جيدان لآل حمد، وأردوغان اذا كان صالحا فهو صالح لحزبه ولشعبه إذا قرر ذلك، اما الصالح لنا كفلسطينيين فهو أن نكون مع انفسنا ومع مصالحنا. أظن ان الاولى كان على حماس ان ترفع صورة الرئيس أبو مازن وهو يقف أمام تهديدات إسرائيل وان تقول له إننا كفلسطينيين نختلف حول التفاصيل ولكننا بالمطلق نتشارك في هم وطني واحد وتطلعات وطنية لا تقبل القسمة على نفسها.
التاريخ لا يعيد نفسه، تلك مقولة مظللة لمن شاء أن يتعرف على كنه التاريخ وصيرورته، لكن أخطاء البشر تعيد ترتيب الأحداث في تشابه مرعب مع الماضي، لأن الإنسان مشدود للخطأ، أو لأن الصواب يجعل البشر يتشابهون.


