خبر : وأخيراً.. تنفس الإسلاميون الصعداء.!!..د. أحمد يوسف

الأحد 06 أبريل 2014 02:30 م / بتوقيت القدس +2GMT
وأخيراً.. تنفس الإسلاميون الصعداء.!!..د. أحمد يوسف



منذ تأسيس حزب العدالة والتنميةبرئاسة رجب طيب أردوغان، واستلامه للسلطة بعد أول انتخابات خاضها في 3 نوفمبر 2002، متحالفاً مع القوى الليبرالية وجماعة فتح الله غولان ذات النفوذ الواسع، حيث حارب - خلال عشر سنوات - بهذا التحالف تسلط القوى العلمانية المتشددة داخل المؤسسة العسكرية وسلك القضاء، وشبكة "أرغينيكون" المعروفة بـ"الدولة العميقة"، وسعى معها لتعزيز الديمقراطية والحريات، ولكن حجم التحالفتراجع – للأسف - في العامين الماضيين، بعد ضعف نفوذ العسكر ومحاكمة الانقلابين، وزوال "العدو المشترك" الذي كان يجمع بين كل هذه الأطراف الثلاثة، الأمر الذي جعل حزبه يخوض الانتخابات منفرداً إلا من قاعدته الشعبية العريضة.

وإذا أضفنا لما سبق مخاوف الغرب من طموحات أردوغان، وتطلعاته للإمساك بخطام قيادة العالم العربي، والتي ظهرت جلياً في دعمه لموجات الحراك الشعبي في العالم العربي، وتصعيده للهجة الخطاب المنددة بالسياسة الإسرائيلية التعسفية تجاه الفلسطينيين، يتضح لنا سرَّ المكيدة وحجم المؤامرة التي حيكت بليل للإيقاع به، بهدف تنحيته عن مركز الصدارة في مشهد الحكم والسياسة في تركيا، وذلك عبر العمل على إفشال حزبه من تحقيق الكسب في الانتخابات المحلية كمقدمة لتراجع حظوظه في أية انتخابات برلمانية قادمة.. كانت خيوط المؤامرة محبوكة بشكل جيد ولكن ذكاء أردوغان، وفطنته السياسية،وكاريزما القائد التي عاظمت من شعبيته، حالت دون تحقيق ذلك.

نحن كإسلاميين - وكفلسطينيين على وجه الخصوص - أخذتنا الهواجس لسوابق شاهدناوقائعها، ودفعنا أكلافها منذ زمن قريببالمنطقة.. لذلك، ظلت ألسنتنا تلهج له بالدعاء، فهو بالنسبة لنا "قلعتنا الأخيرة".. من هنا، كانت الفرحة الغامرة في أنقرة واستانبول، ولكن أصوات الزغاريد وقرع الطبول كانت تجلجل في كل أنحاء غزة وفلسطين.

ولعل هذا ما يفسر ما قاله أردوغان،غداة الإعلان عن صدارة حزبه في الانتخابات، وتقدمه في معظم الولايات: إن هذا الفوز إنما هو انتصار للإسلاميين؛ في مصر وسوريا وفلسطين والبوسنة، وكل مكان يناضل فيه المسلمون من أجل الديموقراطية وضد الظلم والاضطهاد.

تركيا أردوغان: زعامة أمة

خلال العقدين الماضيين كانت هناك تجارب إسلامية في الحكم إما بشكل كامل كما في كل من إيران وماليزيا والسودان وإلى حدٍّ ما تركيا، كما أن هناك شَراكات سياسية في الحكم تابعنا تطوراتها في اليمن والجزائر والكويت ولبنان والأردن والمغرب، وأخيراً مع ثورات الربيع العربي، حيث ظهرت منظومات متعددة من الشراكة السياسية، أخذت تجلياتها بتقاسم السلطة بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية وأحياناً بعض القوى القومية، وهي مؤشرات بأن الحالة السياسية في العالمين العربي والإسلامي آخذة بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مع وجود تعددية سياسية تؤمن بفكرة "المشاركة لا المغالبة" كآلية حكم يتحقق معها الاستقرار والأمن والازدهار.

لا شك أن التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان قد أثبتت أن الانفتاح السياسي على الآخر، مع منح مساحات واسعة للحراك الديمقراطي وحقوق الإنسان، يخلق تفاعلات تُعجل من حركة البناء والتنمية ومسيرة الاصلاح والتغيير والتجديد وأخذ المكانة بين الأمم.

إن تجربة تركيا أردوغان هي هدفٌ تتطلع إليه كل القوى الإسلامية والكثير من التيارات العلمانية كنموذج للشراكة السياسية والحكم الرشيد والأمن والاستقرار المجتمعي، والذي أثبت بعد عقود من الصراع والمواجهات مع العسكر أو السلطة الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي أنه الأفضل لحكم البلاد والعباد، حيث يجد الجميع أنه على مائدة السياسة شريك في التحضير والإعداد، بالشكل الذي يرضي جميع المكونات الوطنية في البلاد.

لقد انتهيت للتو من قراءة كتاب "رجب طيب أردوغان: قصة زعيم"، تأليف حسين بسلي وعمر أوزباي؛ وهما شخصيتان قريبتان من رئيس الوزراء، وقد وجدت متعة كبيرة في تتبع سيرة هذا الرجل العظيم، ومساره الممتد من كونه طالباً –من أسرة فقيرة - تخَّرج من مدارس "الأئمة والخطباء"، إلى تحركاته كناشط في حزب الرفاه، ثم كرئيس لبلدية استانبول الكبرى في الفترة (1994-1998م)، ثم دخوله السجن لخطبة حماسية ألقاها في مدينة غازي عنتاب.. لا شك أن الهدف من وراء ذلك الاعتقال كان هو القضاء على مستقبله السياسي، وإدخاله في دوامة من الاحباط واليأس تقتلُّ فيه حس القيادة والزعامة.

لقد خرج أردوغان من السجن بعدما رسم ملامح مستقبله ومستقبل بلاده، وتحرك في عملية شاقة ومخاض عسير لإخراج حركته الإسلامية من دائرة التهميش والغياب، والتي أعطت للجيش والمحكمة الدستورية ووسائل الإعلام المعادية شن حرب ضروس لكل من يحاول بعث تاريخ تركيا العثمانية، وتطوير مكانتها بين الأمم.

لم تكن محنة رجب طيب أردوغان خلال مسيرته السياسية التي انطلقت بعد تأسيس حزبه "العدالة والتنمية –Ak Party" عام 2001م هي فقط في مواجهة التيار العلماني أو أدعياء حماة الديمقراطية وإرث مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، بل تطورت أشكال المواجهة مع عناوين إسلامية كان آخرها جماعة فتح الله غولان، والذي كانت حتى وقت قريب ضمن شبكة التحالفات التي نجح أردوغان في إقامتها مع الجميع، بغض النظر عن الخلفية الأيدولوجية أو الانتماء الفكري.

لقد كان رجب طيب أردوغان نجم الربيع العربي، وكانت صوره ترفع في كل الميادين التي احتضنت الحراك الشعبي من ساحة الباساج بتونس، إلى ميدان التحرير بالقاهرة، إلى ساحة التغيير وشارع الستين بالعاصمة اليمنية، إلى ساحات مدينة بنغازي في ليبيا، وأيضاً كانت مقولاته وصوره تظهر في ساحة الميناء والجندي المجهول في مدينة غزة؛ تقديراً لمواقفه الداعمة لأهل فلسطين، ومساعيه لكسر الحصار عنها.

لا شك أن الربيع العربي قد شكل ثورة على الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة في العالم العربي، وكانت عيون من تحركوا طلباً للتغيير والإصلاح تتطلع إلى تركيا أردوغان، حيث نجح عبر قيادته للبلاد في تحقيق طموحات الشعب التركي في الرخاء والاستقرار والأمن والازدهار...

معاني ودلالات الفوز بالانتخابات المحلية

بعد تراجع الإسلاميين في مصر وتونس، شعر الإسلاميون في أكثر من مكان بحالة من الإحباط وخيبة الأمل، وكأن ما جرى في تلك البلاد هو النهاية غير السعيدة للربيع العربي، وتحول الحلم إلى كابوس بتلك الانتكاسة التي أصابت الإسلاميين بمقتلة موجعة، وخاصة بعد إخفاق تجربة الإخوان المسلمين في مصر وعودة العسكر لحكم البلاد.

وإذا أضفنا لما سبق، ما آلت إليه الأمور في سوريا من مآسي وأحزان، وتشريد وقتل ومجازر ودمار في كل مكان، وأيضاً في ليبيا حيث تسود أوضاعها - بعد التخلص من القذافي - الفوضى العارمة وعدم الاستقرار، وتشرذم مؤسسات الدولة وتفكك أركانها إلى مجموعات مسلحة من المليشيات القبلية، وغياب التوافق بين الأحزاب السياسية، والقتل والخطف الذي يتربص بالناس على الأبواب، في مشهد يعود بالناس للترحم على أيام زمان، والرفض لكل ما استجد باسم التغيير والإصلاح والإسلام.

ولعل هذه المآلات المفجعة للربيع العربي والحراك الشعبي، هي التي أوقفت الثورة أن تأخذ طريقها إلى بلدان أخرى، كانت لها نفس الطموحات والتطلعات للتغيير والإصلاح والتجديد، مثل الجزائر والأردن وجمهوريات وملكيات أخرى في الخريطة العربية، الممتدة في اتساعها من المحيط إلى الخليج.

للأسف، مع كل عثرة وتراجع في عمليات التغيير والإصلاح، وإخفاق النماذج الإسلامية في الدول العربية بتقديم تجارب ناجحة في إدارة شئون الحكم والسياسة، وخاصة في السودان وفلسطين، كانت مشاعر الإسلاميين وأوجاعهم تتعمق، من حيث أنهم أضاعوا فرصة تاريخية انتظروها لأكثر من نصف قرن، من خلال سياسة التسرع في الاستحواذ على مفاصل الحكم، وغياب الخبرة في إدارة شئون البلاد والعباد، وربما بممارسة الأجهزة الأمنية التحول إلى شكل من أشكال الدولة البوليسية.

لا شك في أن الإسلاميين الذين وصلوا لسدَّة الحكم كانوا يطمحون لقيام حكم رشيد، وكانوا يتطلعون إلى إقامة العدل والمساواة بين الناس، وتحقيق الأمن والازدهار، وإنجاز كل ما كانوا يبشرون به في مواعظهم الحسنة في المساجد أو خلال حملاتهم الانتخابية، ولكن النتائج كانت صادمة للجماهير التي تعلقت بهم، وآثرت أن تركب سفينة التغيير والإصلاح معهم؛ طلباً للنجاة من ظلم أنظمة الحكم العسكرية المستبدة، واضطهاد أجهزتها الأمنية لكل معاني الحرية والكرامة الإنسانية.

في الحقيقة، لم يكن الإسلام هو المسئول عما أصاب تلك التجارب من اخفاقات، وما شابها من تنكب للجادة السياسية، حيث إن التاريخ الإسلامي فيه من الشواهد لنجاحات أنظمة حكم إسلامية يمكن الاعتداد والإشادة بها، وهي التي تمكنت من قيامأشكال مختلفة من الحكم الرشيد، وكانت بالنسبة لنا - نحن الإسلاميين – نماذج ومآثر نتغنى بها، وكان الاستشهاد بها خلال مسيرتنا الدعوية هو الذي يدفعنا – بقوة وحماس - للقول بقوة بأن "الإسلام هو الحل".. إن الذي دفع الناس للتعلق بالإسلاميين والهرولة للحاق بهم، هو تنامي الشعور بالخيبة من أنظمة الحكم الفاسدة في بلادهم؛ باعتبارهم المخلّص من كل شرور تلك الأنظمة ومظالمها، وطوق النجاة للخروج من حالة الفقر والمسغبة التي تصطبغ بها حياتهم المعيشية، رغم الثراء الذيتنعم به الطبقات الحاكمة - السادة والكبراء وبطانة الأمراء - بما أفاض الله عليها من ثروات نفطية وطبيعية تدر عليها المليارات من الدولارات.

بعد نكسة عام 1967م، انفض الناس في العالم العربي عن العلمانية وأحزابها، وتراجعت القوى القومية بسقوط الشعارات الكبيرة التي كانت ترددها ألسنة قادتها أو تتغنى بها تياراتها، وحدث التحول باتجاه أصحاب الخطاب الإسلامي.. كان جيلي من الشباب ناصري الهوى، تعلقنا بالرئيس جمال عبد الناصر (رحمه الله) لأنه بشَّرنا بالتحرير والعودة، فهتفنا له ولمصر الحبيبة التي أنجبت قائدنا الملهم، وحشدنا له الساحات والميادين، وغنينا مع عبد الحليم: "يا جمال يا حبيب الملايين". ولكن مع وقع الهزيمة التي أصابتنا بالصدمة والذهول، بدأنا نفتش عن البديل إلى أن وجدنا شيخنا الشهيد أحمد ياسين (رحمه الله)، والذي أخذ بأيدينا، وقال لنا:هذه هي المعالم وهذا هو السبيل، على خطى خالد (سيف الله المسلول) وقطز وصلاح الدين.

كانت تلك الهزيمة التي سقطت فيها الادعاءات، هي لحظة فارقة لجيل الشباب أمثالي، وهي التي أخذتنا - مع شعوب أمتنا العربية - في عملية تحول كبير باتجاه الإسلام، والذي عملنا مع دعاته منذ تلك السنوات بكل تضحية في المنشط والمكره، انتظاراً لليوم الذي نقيم فيه كل ما نادينا به من فضائل ورسمناه من أمنيات أو رفعناه على قوائمنا الانتخابية من وعود وشعارات.

وجاءت فرصتنا كإسلاميين مع الحراك الشعبي الواسع للثورة على الظلمة والمستبدين، والتي عبر عنها الحاج أحمد الحفناويمن تونس بكلماته البليغة "لقد هرمنا.. هرمنا.. من أجل هذه اللحظة التاريخية"، ولكن مع الصدمة التي تلقيناها بعزل الرئيس مرسي وانهيار حكم الإخوان في مصر، ثم التداعيات التي أعقبتها في تونس مع حكم حزب النهضة (الإسلامي) في تونس، والتي لولا حكمة الشيخ راشد الغنوشي وتوفيره لحالة من "الخروج الآمن" ربما لوصلنا لحالة مشابهة لما وقع في مصر؛ أي ثورة على الثورة.

إن من المؤسف أن نشير إلى أن الشارع وصل لحالة أصبحت فيه مقولته للإسلاميين: "أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا".!!

إذا تخيلنا كل هذه المشاهد في سياقاتها السياسية والشعبية، عرفنا لماذا سهر الإسلاميون في كل مكان حتى الصباح يتابعون نتائج الانتخابات المحلية في تركيا.. لقد كان حدوث أي تراجع في شعبية حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية معناه مؤشر على قرب سقوط أو أفول الإسلاميين من مشهد الحكم والسياسة.

لذلك، كان نجاح حزب العدالة والتنمية برئاسة طيب رجب أردوغان في الحفاظ على شعبيته الكاسحة وفوز حزبه بنسبة كبيرة بلغت نسبتها 46%، وتصدره لرئاسة أهم البلديات في البلاد، مثل استانبول وأنقرة وكونيا...الخ ، وخاصة بعد التظاهرات التي قادتها المعارضة العلمانية اليسارية احتجاجاً على فكرة بناء مسجد في ساحة بـ"ميدان تقسيم"، وحملات التشهير بالفساد التي طالت قيادة الحزب، وكلفت البلاد حوالي 70 مليار دولار، والتي شاركت فيها للأسف دول عربية خليجية، إضافة لأجواء التحريض والتأجيج التي طالعتنا في العديد من الفضائيات الغربية والعربية ضد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، واتهامه بقمع المعارضة والحريات الإعلامية، الأمر الذي شكل انطباعاً لدى الإسلاميين بأن حزب العدالة والتنمية"المعقل الأخير" للتجربة الإسلامية الليبرالية الناجحة مهددٌ أيضاً بالأفول.

كان الإسلاميون في فلسطين بشكل عام وفي غزة على وجه الخصوص من أكثر ما تابع النتائج وعاش معها لحظة بلحظة، وكانت التهاني والاحتفالات الجماهيرية واليافطات الكبيرة في الميادين والساحات احتفاءً بهذا الفوز، وكانت الرسالة التي يراد أن تصل للجميع من غير أصحاب الهويات والعناوين الإسلامية: "موتوا بغيظكم"، و"باقون في المشهد ما بقي التين والزيتون"، و"حصوة في عين اللي ما يصلي ع النبي".

قد يكون أردوغان مهماً في الدائرة الإسلامية، ولكنه أيضاً من أشد الأنصار والمدافعين عن القضية الفلسطينية، وقد شاهدنا مواقفه القوية في دافوس وعند تعرض قطاع غزة للعدوان الإسرائيلي في عملية (الرصاص المصبوب) أو حرب الفرقان عام 2008م حيث عمل على تجييش العالم لإدانة ما يقوم به جيش الاحتلال من جرائم حرب وانتهاكات للشرائع الدولية وللقانون الدولي الإنساني، وقام بإرسال المساعدات الإغاثية وشجع على تسهيل حركة قوافل التضامن مع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة، ثم قام - عملياً - باتخاذ إجراءات لقطع العلاقات مع حكومة نتنياهو ووقف النسيق الأمني معها، على أثر تعدي الجيش الإسرائيلي على سفينة التضامن التركية (مافي مرمرة" - Mavi Marmara)، وكذلك تحركت ماكينة الدبلوماسية التركية لدعم الرئيس أبو مازن في خطوتها التي تكللت بالنجاح في 29 سبتمبر 2012م،وذلكبالذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لنيل لقب دولة بصفة مراقب.

إن تركيا حزب "العدالة والتنمية" تعني الكثير بالنسبة للفلسطينيين، وأن مواقف أردوغان لها رمزيتها الخاصة لحركة حماس، وللرئيس أبو مازن، وهو بشخصيته ومكانته الإسلامية والدولية عنوان كبير ومتميز لأخٍوصديق تحكمه ضوابط الدين وأمانة المسئولية، وهو الزعيم الذي ينظر لفلسطين باعتبارها قضية الأمة وجوهرتها المفقودة، ويعمل على حشد الدعم العربي والإسلامي والدولي لكي ينال الفلسطينيون حقهم في تقرير مصيرهم والعودة إلى ديارهم، وقيام دولتهم الحرة والمستقلة.

فقط أريد أُذكر الجميع بحجم وأعداد المحلات والمطاعم والنوادي والشوارع والمنتديات التي غدت تحمل أسماء وعناوين تركية في قطاع غزة، وهي كلها ذات قيمة ودلالات سياسية واجتماعية وحضارية، تعكس عمق الروابط الإسلامية التي جمعت تاريخ هذا الشعب العظيم بتركيا؛دولة الخلافة وحاضنة الإمبراطورية العثمانية، والتي جعلت للعرب والمسلمين ليس فقط مكاناً تحت الشمس، بل أحاطت بلادهم بدفء القرص وأنواره، وجعلت لهم مكانة عالمية بين الأمم .

إن الفلسطينيين يتذكرون قبل غيرهم مواقف السلاطين العثمانيين، من سليمان القانونيإلى محمد الفاتح وعبد الحميد الثاني، حيث كان لكلٍّ منهم بصمته التاريخية في بلادنا، وشواهد ذلك ما تزال قائمة في مدينة القدس ونابلس وبيت لحم والخليل وغزة، ولا غرابة أن يفكر البعض – ولو من باب الخيال – بإقامة كونفدرالية سياسية مع تركيا أردوغان.

لذلك، لكل إخواني في الصف الوطني من كتَّاب ومفكرين، والذين حاولوا الغمز واللمز بحركة حماس وحكومتها، لموقفها من جعل هذا الفوز لحزب أردوغان "يوماً من أيام الله" على أرض فلسطين،لكل هؤلاء وأولئك - ومن باب الرجاء - أن يخففوا من حمأة أقلامهم؛ فتركيا أردوغان تعني لنا جميعاً - كفلسطينيين –الكثير، فهي تمثل لنا قوة الحليف والموقف الثابتلنُصرتنا كمظلومين، فحين يبتعد عنا الأخ القريب، ويجاهرنا العداء شقيقنا الحبيب، ويتهمنا بعض أهلنا بالإرهاب تماماً  كالغريب.!! وحين يهبُّ أردوغان لنجدتنا، وتحمل الصعاب لأجل حريتنا، ألا يستدعي ذلك منَّا أن نفرح لفرحه، وأن نحزن إذا تهدده الخطر.؟!

نعم؛ لقد شكلفوز حزب العدالة والتنمية"بسمة على وجوه الإخوان"، فهو فوز لنا كإسلاميين وللزعيم طيب رجب أردوغان، ولشعب فلسطين.. لذلك، ابتهجنا وعمَّت شوارعنا الزغاريد؛ لأن هذا الفوز معناه استمرار تركيا في سياستها الداعمة لنا في فلسطين، وأن هذا معناه أن أردوغانباقٍ معنا لسنوات قادمة، وهذه معناه ترسيخ الأمن وزيادة الاستقرار والازدهار في هذا البلد الإسلامي الكبير، وهذا معناه أن تجربة الإسلاميين في الحكمما تزال قادرة على تقديم المثال الناجح والنموذج الباهر.

إنهناك مجموعة من الدروسالتي يتوجب على الإسلاميين أن تعلمها، وعلى كل إسلامي يمسك بزمام الحكم إدراكها،وهي:

أولاً)إن الشارع المرتاح اقتصادياً، والآمن على مستقبل أولاده سيقف معك، مهما حاولت المعارضة وحلفاؤها السياسيون الإساءة إليك،وتوجيه الاتهام والتحريض عليك، حيث إن حسابات الشارع وتقديرات حكمه - وهذا هو حجر الزاوية وبيت القصيد - لا تخضع إلا إلى اعتبارات "البيدر، وحجم الغلة، وجودة الحصاد"، وما عدا ذلك فهو هشيم تذروه الرياح.

ثانيا) المكانة التي أوصل إليها حزب العدالة والتنمية تركيا حضارياً واقتصادياً، حيث إن الاقتصاد التركي ترتيبه - اليوم - هو العاشر أوروبياً والخامس عشر عالمياً، وتركيا اليوم ما تزال في صدارة الدول التي تشهد معدلات نمو عالية كالصين والهند وألمانيا، وهي إحدى دول مجموعة العشرين للاقتصاديات الرئيسية في العالم (G-20)، وهي اليوم الممر الآمن لصادرات النفط والغازالقادمة من الشرق إلى دول أوروبا وأمريكا، وفي مجالات السياحة غدت أيضاً الدولة السادسة على مستوى العالم، والرابعة أوروبياً بمداخيل تزيد عن 25 مليار دولار.

ثالثاً) السياسة الداخلية الحكيمة، والتي جعلت حزب العدالة والتنمية حاضنة للجميع، بكل عناوينه وانتماءاته الدينية والأيدولوجية والفكرية والعرقية، ومظلة للحريات واحترام حقوق الإنسان،حيث تمَّ استيعاب الجميع (الديني والعلماني)، وفتحت الأبواب لكل الطاقات والكفاءات التي وضعت على رأس أجندتها "تركيا-الدولة أولاً"، وعملت على تخفيف الاحتقانات الطائفية وساوت بين الجميع، مما منحها احتراماً بين الأقليات الكردية والعلوية.

رابعاً( السياسة الخارجية الفاعلة، وذلك بالابتعاد عن مجالات الصراع، والعمل على تصفير المشاكل مع دول الجوار، والتوجه لبناء صداقات وتحالفات سياسية واقتصادية مع العمق العربي والإسلامي. الأمر الذي أكسبها مكانة قيادية متميزة جعلت الدول الغربية تعتمدها كوكيل أول (Trouble- Shooter) لحل الكثير من المشاكل داخل حزام الأزمات الشرق أوسطي.

خامساً)المظهر العام لتركيا في ثوبها العثماني الجديد، والذي منح الشعب التركي الثقة في قيادته السياسية، وإمكانيات التأهل لاستعادة تلك المكانة التاريخية المجيدة للإمبراطورية العثمانية ودولة الخلافة الإسلامية العتيدة.

سادساً) الاحتضان الحقيقي الذي أظهره حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب  أردوغان للقضية الفلسطينية، والابتعاد عن إسرائيل الدولة المارقة (the Rouge State)، التي تحتل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتعبث بحرمة المسجد الأقصى ومقدسات المسلمين على أرض فلسطين.

سابعاً؛ المشاريع الطموحة التي أعتمدها أردوغان حتى سنة 2023م لتغيير وجه تركيا من دولة جسر في السياسة الدولية إلى دولة يُحسب لها ألف حساب.

ثامناً)دراسة تجارب الآخرين باستفاضة وعمق والاستفادة منها والبناء على ايجابياتها وتلافي سلبياتها، وهذا ما فعله أردوغان، حيث استفاد من تجربة شيخه وأستاذه البروفيسور نجم الدين أربكان، وزميله الرئيس الأسبق تورغوت أوزال، وأكمل مشوارهما ولم يبدأ من الصفر، وظل باراً ووفياً لهما، خاصة لأربكان؛ أبو الحركة الإسلامية المعاصر، رغم كل الخلافات التي دخلت بينهم،بالإضافة إلى دراسة وقراءة الواقع المحلي والإقليمي والدولي بشكل واقعي، واستثمار الفرص بالطريقة التي تخدم الكل التركي.

تاسعاً) وضع حدود واضحة المعالم لعمله السياسي، وعدم الخلط بين قيادة الحزب من جهة والحكومة من جهة أخرى في كافة المجالات، مما أسهم في تعريف المهام والصلاحيات والمسئوليات لكل شخص في الجهة التي يعمل بها، فلا يوجد تغول من الحزب على الحكومة، ولا يعتبر القيادي في الحزب نفسه وصي على الوزراء والمدراء، ويوجد نظام وقانون محاسبة واضح، يكافئ المحسن ويقوم المخطئ ويعاقب المجرم. 

تاسعاً)الاعتماد في قيادة الحزب على مجموعة من النخب التي ينطبق عليها القول: "أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله".

عاشراً)التحلي بخلق الصدق في القول والعمل، وإنكار الذات فعلاً لا قولاً، ففي أكثر من تصريح قال أردوغان أنه على اتم الاستعداد للخسارة (كشخص أو كحزب) إذا كانت تركيا ستربح، وعمل –فعلياً - من أجل تركيا؛ كل تركيا، وكان يعتبر ذلك واجباً عليه، ولم يمن به على الشعب التركي.. كما آمن بالعمل بروح الفريق، فاختار فريقه بعناية فائقة، وأولى تطوير الكوادر رعاية خاصة، وبالذات الشباب حتى سن الـ35 عاماً، بالإضافة إلى تركيزه على الإنسان وقيمته وكرامته، ووقف بجانب الفقراء ومحدودي الدخل، وحاول تحقيق العدل والمساوة بكل ما أوتي من قوة، ليس فقط في أروقة القضاء بل في ممارسة الحكم بكل تفاصيله.

ختاماً: أردوغان والدور المنتظر

من المعروف أن السيد رجب طيب أردوغان يتمتع بصداقة قوية وعلاقة متوازنة مع الرئيس أبو مازن والأخ خالد مشعل، وهو سبق أن كانت له مبادرات - غير رسمية - للتقريب بين فتح وحماس، ولكن لحساسية الوضع مع مصر؛ باعتبار أن هذا الملف الفلسطيني خاص، آثر عدم التدخل بشكل كبير حتى لا يثير حفيظة مصر مبارك، وهذا ما لمسته من علاقتي القوية مع كلٍّ من د. أحمد داود أوغلو؛ وزير الخارجية، والسيد إبراهيم كيلين؛ المستشار السياسي لرئيس الوزراء، خلال زياراتي المتكررة لتركيا كمستشار سياسي للأخ إسماعيل هنية أو وكيل لوزارة الخارجية.. كانت تركيا أردوغان حريصة - دائماً - على صداقتها مع مصر، وربما عملت على تقريب وجهات النظر بين الرئيس أبو مازن والأخ خالد مشعل أكثر من مرة.

اليوم، مصر ما تزال مشغولة بترتيب بيتها الداخلي وهي بحاجة لجهد الجميع لفض حالة الاشتباك القائمة فيها، وإبعاد شبح الصراع المسلح عن ساحتها.. ولذلك، فإن الحالة الفلسطينية المأزومة والمكلومة بحاجة لمن يأخذ بيدها، ويجمع شمل المتخاصمين فيها، إلى أن تنهض مصر الحبيبة من كبوتها، وتستعيد عافيتها السياسية والأمنية، لمواصلة جهودها المشكورة - دائماً - لما قدَّمته من رعاية للحوار الفلسطيني – الفلسطيني على مدار أكثر من سبع سنوات؛ سواء في غزة أو القاهرة، ونجحت – بدرجة كبيرة - في تخفيف الاحتقان الذي صاحب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2006م، وحتى بعد تشكيلها للحكومة العاشرة، وبعدها حكومة الوحدة؛ أي الحكومة الحادية عشرة، في مارس 2007م، وما جرى بعد ذلك من أحداث مأساوية دامية في يونيه 2007م، كانت أشبه بشرخ قاصم أصاب كبد قضيتنا بمقتلة لم نتعافى منها حتى اللحظة.

إن كل ما نحن بانتظاره - الآن - هو دفعة من يد حانية لجهة نعيش معها اللحظة أعظم تجلياتها، وهي بإمكانها أن تلزمنا بما سبق أن أنجزناه من اتفاقيات في القاهرة والدوحة.

فهل نشهد أردوغان - قريباً - في جولة خاطفة إلى غزة ورام الله،لجمع الصف الفلسطيني، وإنهاء أزمة الخلاف بين فتح وحماس.؟

ربما تظهر هذه الرغبة لدى البعض كحلم بعيد المنال، ولكن من قال بأن الحلم ليس جنيناً للواقع.