ارتفاع درجات الحرارة، حتى الغليان بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لا يؤشر بالضرورة الى أنه سيؤدي إلى تفجير المفاوضات، كما يعتقد البعض، إذ لا مصلحة إسرائيلية في ذلك، كما أن الولايات المتحدة لن تسمح بمثل هذا الفشل الصاخب، للمحاولات التي صرفت عليها الكثير من الوقت والجهد منذ أكثر من ثمانية أشهر. الأطراف كلها تفهم على بعضها البعض، ولذلك فإن عملية التسخين تتم وفق حسابات دقيقة ومضبوطة، وكل لتحقيق أهداف لصالحه.
الولايات المتحدة التي تعاني من فشل متكرر لسياساتها الخارجية بدءاً من العراق، إلى أفغانستان، إلى ما ترتب من نتائج عن اتفاقها مع روسيا على الملف السوري، ثم ما ترتب على معالجتها للملف النووي الإيراني، فالأزمة التي تواجهها في منطقة القرم، الولايات المتحدة أرادت أن تحقق اختراقاً في الملف الإقليمي الأصعب وهو الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي. العارفون ببواطن السياسة يدركون سلفاً أن محاولة الإدارة الأميركية تحقيق نجاح في ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، لتعويض مسلسل فشلها، هذه المحاولة لن تأتي بأي نتيجة وان المفاوضات حتى لو استمرت عشرين عاماً أُخرى فإن مصيرها الفشل.
ربما يدرك جون كيري ذلك، فهو ليس أهبل كما يصفه بعض الساسة الإسرائيليين ولكنه حتى لو أنه يدرك ذلك، فإنه يحاول تأجيل إعلان الفشل، وكسب المزيد من الوقت حتى يتمكن من تصريف هذا الفشل، أو تخفيف وطأته على هيبة الإدارة الأميركية، وعلى الحزب الديمقراطي.
إذن، الولايات المتحدة تسعى بكل قوة، ولن تتخلى عن محاولاتها، لدفع الطرفين نحو الموافقة على تمديد المفاوضات إلى نهاية العام، ولذلك فإنها مستعدة، للمساهمة في دفع ثمن الحصول على مثل هذا النجاح.
قضية الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد، ليست قضية سهلة على الولايات المتحدة، فلقد حاولت إسرائيل مراراً أن تجد سبيلاً للإفراج عنه بما في ذلك الابتزاز لكنها لم تفلح، الأمر الذي يجعل من استعداد الإدارة الأميركية الإفراج عنه في اطار صفقة الترضية لإسرائيل، أمراً يستحق العناد وثمناً كبيراً للفوز بتأجيل الفشل.
إسرائيل من جانبها صاحبة مصلحة في تمديد المفاوضات لأطول فترة ممكنة طالما أنها لا تشكل قيداً على تنفيذ مخططاتها وسياساتها، هذا بالإضافة إلى أن فرصة تاريخية متاحة أمامها للضغط من أجل الإفراج عن بولارد الذي تعتبره بطلاً قومياً، ويعتبر نتنياهو نجاحه في الإفراج عنه انتصاراً كبيراً له ولحزبه وحكومته.
غير أن إسرائيل تحرص على أن لا يحظى الفلسطينيون بثمن ذي قيمة مقابل موافقتهم على استئناف المفاوضات، حتى لو أن جزءاً من هذا الثمن سيكون من جيب الولايات المتحدة. المنطق الطبيعي للحياة يعطي الفلسطينيين الحق في أن يتحرروا من القيد الذي ترتب عليهم من أجل استئناف المفاوضات، ونقصد الامتناع عن التوجه للأمم المتحدة، فلقد نكصت إسرائيل بالعهد، وامتنعت عن الإفراج عن الدفعة الرابعة والأخيرة من الأسرى القدامى، الذين كان الإفراج عنهم هو الثمن المقابل الذي ستحصل عليه السلطة الفلسطينية. ولكن الأمر يتعلق بوضع غير طبيعي، ودولة غير طبيعية، معروف عنها، الفصل بين الأخلاق والسياسة، والتصرف كدولة خارج القانون الدولي. دولة لا يمكن الوثوق بها، أو بوعودها أو عهودها.
دولة محكومة للمجانين، عديمي التجربة، وفي الحكومة السابقة، كان افيغدور ليبرمان هو عنوان الشذوذ، وضعف الخبرة، والتطرف الشديد، وفي هذه الحكومة يتقدم نفتالي بينت، وزير الاقتصاد وزعيم حزب البيت اليهودي ليقدم الصورة الحقيقية، لطبيعة الدولة. بينت، هدد القيادة الفلسطينية بالاعتقال، وهدد حركة فتح، هذا قبل أن تتخذ القيادة قرارها بالمصادقة على خمس عشرة معاهدة دولية ومؤسسة، أما بعد فقد تطوع وزير الأمن الداخلي عوزي لينداو، برفع مستوى التهديد، إلى ضم مناطق استيطانية واتخاذ عقوبات مالية واقتصادية بحق السلطة في حال نفذت القيادة الفلسطينية قرارها.
في الواقع فإن القرار الفلسطيني لا ينطوي على تغيير في الوجهة والخيار، ولا يشكل خروجاً عن خيار المفاوضات، أو يعبر عن كفر فيه، وهو على الأرجح ليس أكثر من رسالة مجزوءة، ومحسوبة، حتى لو أضيفت إليها قرارات أو توجهات من نوع تصعيد المقاومة الشعبية السلمية، وتعيين وفد يتوجه إلى غزة لتحقيق المصالحة.
لو كان الأمر يتعلق بتغيير الوجهة لكان الموقف على نحو مختلف، فثمة ما يبرر إعلان فشل المفاوضات لأسباب تتحملها إسرائيل والولايات المتحدة، ولكان القرار التوجه إلى الأمم المتحدة للانضمام إلى كافة مؤسساتها ومعاهداتها، هذا كمقدمة فقط لا ترتقي إلى مستوى الاستراتيجية الجديدة إلاّ في اطار مراجعة وطنية وتغييرات حقيقية في الوضع الفلسطيني.
طبيعة الرد الإسرائيلي على القرارات التي أعلنها الرئيس محمود عباس، ربما تكون كافية، للإجابة عن سؤال ساذج أو هو مغرض، يدور في أوساط بعض القوى السياسية الفلسطينية التي تقلل من أهمية التوجه إلى الأمم المتحدة، والساحة الدولية، وهذا في الوقت ذاته يلقي بعض الضوء على مدى أهمية وعمق التحذير الذي وجهه لإسرائيل في وقت سابق كل من الرئيس الأميركي أوباما ووزير خارجيته كيري حين قالا بأن شعور إسرائيل بالأمن والرفاه، قد يكون مؤقتاً ما لم يتم تحقيق تسوية.
من الحكمة أن لا يأتي كيري إلى المنطقة، في الموعد الذي كان مقرراً للقاء بالرئيس محمود عباس، وكان من أجل الاستماع للجواب الفلسطيني على الصفقة السخيفة التي بلورها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بعد لقاء دام خمس ساعات، ففي هذه الحالة يكتفي كيري بالطلب من الأطراف ضبط النفس وردود الأفعال، غير أن كيري الذي يفضل أن يترك الطرفان لاستنزاف غضبهما، لا يستطيع أن يغيب عن الساحة كثيراً، ذلك أن الوقت حتى نهاية هذا الشهر يمضي سريعاً، وثمة حاجة ماسة لاستثمار ما تبقى منه لإنقاذ المفاوضات.
حتى الآن ردود الفعل من قبل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لا تتعدى حدود التهديد والتهديد المقابل، لكن إسرائيل أضافت إلى ذلك إعلاناً عن مناقصة لبناء مئات الوحدات الاستيطانية، والأرجح أن هذه التهديدات بمجملها لا تخرج عن إطار التكتيك التفاوضي، كل لتعظيم مكاسبه وتقليص مكاسب الطرف الآخر، ولكنها ستظهر في النهاية على أنها ليست أكثر من زوبعة في فنجان الإدارة الأميركية، التي تملك كل الأوراق الكافية لإعادة ضبط الأمور.
طلال عوكل


