تبدو العلاقة الفلسطينية / الإسرائيلية على خط مشدود للغاية، وخلال أيام سيتضح مآل حالة الشد المتبادل بين الجانبين، ارتباطا بمفاوضات لم تتقدم طوال تسعة شهور مضت إلى الأمام قيد أنملة، ذلك أن الهدف منها، على ما يبدو، لم يكن التوصل إلى حل سياسي بين الجانبين، يضع حدا لحالة الحرب بينهما، المستمرة منذ عقود، ويضع حدا للاحتلال، ويقوم بإحلال السلام بينهما وفي المنطقة، بل كان هدفها مؤقتا، ولا يتطلع إلى أبعد من أنف جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة، راعي ومهندس اتفاق إطلاق المفاوضات الفلسطينية / الإسرائيلية في تموز الماضي، وتمثل في عقد صفقة، مضمونها وجوهرها، امتناع الجانب الفلسطيني عن التوجه للأمم المتحدة والانضمام لمؤسساتها الدولية، مقابل إطلاق مئة وأربعة أسرى فلسطينيين، معتقلين لدى إسرائيل منذ ما قبل أوسلو العام 1994.
ورغم أن الاتفاق بين الجانبين بتعهد الراعي الأميركي قد حدد فترة تسعة أشهر للاتفاق، حتى يحاول الطرفان أن يتوصلا إلى اتفاق بينهما، إلا أن الأطراف المعنية ومعظم المراقبين كانوا يرجحون عدم التوصل إلى اتفاق سياسي بين الجانبين، وفعلا فقد توقفت المباحثات المباشرة بينهما، منذ وقت، ومنذ عدة شهور، انهمك الراعي الأميركي في محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق لا يتضمن التوصل للحل السياسي، ولكن لتمديد جديد للمفاوضات، التي باتت هدفا عند الإسرائيليين والى حد ما الأميركيين، بحد ذاتها، فيما الجانب الفلسطيني، لا يمكنه القبول بمفاوضات بحد ذاتها، دون ثمن مباشر، يخفف من المعاناة الفلسطينية اليومية، ودون أن يلحق المزيد من الضرر الاستيطاني، رغم أن عدم التوصل إلى الحل المنشود يؤخر لحظة تحقق الحلم الفلسطيني بإنهاء الاحتلال تماما، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ولأن لحظة الحقيقة لا بد أن تظهر في موعدها، مهما حاولت الأطراف تأجيل الأمر، ولأن إسرائيل مراوغ جيد، ومفاوض كاذب، ولأن الخديعة جزء من الثقافة الإسرائيلية / اليهودية، فإن الاتفاق نص على أن يتم دفع ثمن موافقة الجانب الفلسطيني على إجراء المفاوضات، بإطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو على أربع دفعات، حتى تضمن إسرائيل عدم تراجع الفلسطينيين عن مواصلة التفاوض، بعد إطلاق سراحهم، وفي كل مرة يحل فيها موعد إطلاق دفعة منهم، كانت إسرائيل تسارع إلى إعلان عطاءات استيطانية، لتؤكد أن حكومة نيتنياهو لم تتعهد بوقف الاستيطان ضمن اتفاق إطلاق التفاوض، وحتى يتم ابتزاز الجانب الفلسطيني إلى أبعد الحدود، والآن وبعد مرور ثلاثة أيام على موعد إطلاق الدفعة الأخيرة من أولئك الأسرى، امتنع نيتنياهو عن تنفيذ الاتفاق، بحجة أن الجانب الفلسطيني يستعد لتفجير الأوضاع، في اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من نيسان الجاري.
طبعا، هذا يؤكد مجددا أن إسرائيل دولة لا تحترم اتفاقاتها ولا تعهداتها، ذلك أن الدفعة الرابعة من إطلاق أسرى ما قبل أوسلو، إنما هي مستحقة وفق الاتفاق الذي جرى في العام الماضي، وليس له علاقة بمحاولة التوصل إلى اتفاق جديد، قد يتوصل له الجانبان مع الراعي الأميركي، وقد لا يتوصلان إليه، وتماما كما لم تحترم إسرائيل من قبل اتفاقات أوسلو، وكما "جرجرت" المصريين إلى مفاوضات إضافية لعدة أعوام حول طابا بعد اتفاقات كامب ديفيد، وكما لم تحترم حقوق الأردن في مياه نهر الأردن، بعد اتفاق وادي عربة، فإن السؤال الذي نطرحه _ الآن _ بهدف اتخاذ العبرة والاستفادة من الدرس جيدا، هو: كيف يمكن لأحد أن يضمن تنفيذ إسرائيل لأي اتفاق قادم يمكن أن يتم التوصل إليه؟ وإلى متى ستظل إسرائيل عنصر التوتر في المنطقة، وأحد أخطر عناصر تخلفها، التي تحول دون تحقيق ليس فقط الشعب الفلسطيني لطموحه الوطني المتمثل بالحرية والاستقلال، بل ودون طموح الشعوب العربية بالوحدة والحرية، ودون طموح العالم بأسره في التخلص من أطول وأسوأ احتلال أجنبي لشعب آخر ما زال قائما على وجه الأرض؟
إن هذا بالضبط هو سبب كراهية الفلسطينيين والعرب للاحتلال الإسرائيلي، وإذا كانت أنظمة صديقة لأميركا والغرب قد سقطت، بفعل احتجاجات الجماهير العربية الغاضبة على الفساد والاستبداد، ولم تستطع أميركا بنفوذها وتأثيرها أن تحفظ تلك الأنظمة، فإن أميركا والغرب، لن يكون بمقدورهما منع سقوط الاحتلال الإسرائيلي.
Rajab22@hotmail.com


