خبر : عن قوانين تأبيد الانقسام ...بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 31 مارس 2014 08:28 ص / بتوقيت القدس +2GMT
عن قوانين تأبيد الانقسام ...بقلم: عاطف أبو سيف



ثار نقاش وجدل حول قيام أعضاء المجلس التشريعي في غزة باقتراح قوانين مغايرة لتلك المعمول بها في مؤسسات السلطة خاصة قانون العقوبات وإدخال عقوبات وتعريفات جديدة عليه.

وبالطبع يمكن للنقاش أن يتركز بشكل أساسي على حق المجلس التشريعي الذي هو في الحقيقة في غزة أعضاء كتلة حماس البرلمانية في التشريع من أساسه حيث إن المجلس معطل ولا يحضر اجتماعاته سوى أعضاء حماس وهو بالتالي جزء من عملية الانقسام وليس جزءاً من حالة التوحد - الدور الافتراضي له.
كما يمكن للنقاش أن يكون جزءاً من حالة الزعيق السياسي الذي لا يعمل أكثر من إدامة حالة الفرقة.
لكن جوهر الأشياء لا يكمن في ردة الفعل بل في التعبير عن الأفكار العميقة خلف هذه التدخلات التشريعية.
دأبت حماس منذ حزيران 2007 على القيام بجملة من الإجراءات والتدخلات في مجال التشريعات والقوانين في الحقول المختلفة (هل تتذكرون التدخلات في قطاع التعليم)، كل هذه التدخلات عبرت عن موقف إيدلوجي وهوياتي وحزبي.
بالطبع لا يمكن سلخ ما جري نقاشه في المجلس التشريعي في غزة عن مجمل هذه التدخلات التي تقود إلى نتيجة واحدة هي تأبيد عمر الانقسام وجعله جزءاً أصيلاً من الحياة لا فكاك منه، لكنها، والأهم تعكس أزمة وعي حادة.
ليست سلطة المشروع بلا قيود ولا حدود وبلا ضوابط، ولم يثبت في التاريخ أن جهة تشريعية قامت باتخاذ تشريعات وسن قوانين تعمل على تعزيز وحدة الشعب، وحتى إن قامت بمثل هذه الخطوات فإن التاريخ يكشف بكثير من الجرأة أن مصير هذه التشريعات إلى زوال، حيث إن الشعوب وحدها قادرة على تحديد بوصلة تماسكها الاجتماعي وهي من تقرر إذا ما كانت ترغب في العيش بطريقة حزبية أم بطريقة جمعية. فالمشروع الذي انتخب من قبل مجتمع المواطنين لم ينتخب حتى يتصرف وفق أهوائه ومزاجاته وتطلعاته الشخصية ولا تلك الخاصة برؤية حزبه وفصيله، إنما اختير حتى يكون مؤتمناً على مراقبة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وهو في هذا الجانب يقف بشكل مطلق إلى جوار المحكوم ويرعى مصالحه أمام احتمال تغول السلطة التنفيذية، فهو الرقيب عليها والمحاسب لها والمصوب لأخطائها.
وحين يصبح هم المشرع "تحليل" (من جعله حلالاً) أخطاء وتصرفات السلطة التنفيذية وتغطية عوراتها فإنه يتحول من حارس للعقد الاجتماعي إلى منتهك له.
والأكثر بشاعة من ذلك حين يغلب المشروع رؤيته الحزبية ومصالحه التنظيمية على حقوق المواطن وتطلعاته وحقه بالعيش في مجتمع مستقر موحد متماسك.
وعليه يفقد المشرع أي حق في تمثيل مجتمع المواطنين الذي يعبر عن تماسكه من خلال حقه في الاختيار الدوري.
وفي الوقت الذي يقوم المشروع بمصادرة هذا الحق عبر تعزيز الانقسام وإطالة عمره، فإنه يصبح جهة معادية للمجتمع الذي اختاره والذي أمنّه على حقوقه.
إن أزمتنا الكبرى في غياب الوعي وتضييع البوصلة، فحين يعتقد المشروع أن سلطته بلا حدود، وان بمقدوره بمجرد أن يجتمع ويلتئم أن يتخذ من القرارات ما يحول له، وحين يظن أن حكم الشعوب مثل حكم العشيرة ويعود بالمجتمع إلى مرحلة ما قبل التكوين السياسي، وقتها فإننا بحاجة لمراجعة ضوابطنا السياسية ومرجعياتنا المشتركة حتى نحافظ على ما تبقي من سمات يمكن لها أن تشير إلينا كشعب، وليس كجماعات متفرقة.
إن الوصول إلى المجتمع السياسي بمكوناته ومقابله الفاعل المجتمع المدني لم يكن عملية أتوماتيكية في تاريخ الشعوب ولا في تاريخ شعبنا الذي ناضل من أكثر من قرن من الزمن من أجل هويته السياسية الموحدة، وإن إعمال سكاكين الفرقة والتمزق فيه لا تخدم إلا خصومه.
إن مثل هذه التشريعات والخطوات القانونية لا تقود إلا إلى نتيجة واحدة هي سحب غزة بعيداً عن مجمل التكوين الوطني الفلسطيني بمكوناته السياسية والهوياتية والثقافية والاجتماعية.
عن تراكم مثل هذه التدخلات تحرف غزة عن وضعها الطبيعي كجزء أصيل المشروع الوطني الذي تجسد عبر تضحيات وبطولات وآلام ومعاناة.
وليس من شك أن تبني مثل هذه التشريعات وسن تلك القوانين يعزز حالة الانفصال تلك ويعمل على تأبيدها، ويسهم في خلق معيقات قانونية وتشريعية تحول دون القفز عن أسلاك الانقسام الشائكة، لبنة وراء لبنة وحجراً خلف حجر وتشريعا يتبع تشريعا وقانونا يعزز قانونا، وتدريجياً يصبح من المتعذر حتى لو توفرت النوايا – غير المتوفرة على ما يبدو حتى الآن - يصبح تحقيق المصالحة وإعادة اللحمة بين مؤسسات السلطة الواحدة مستحيلاً.
إن التفكير في المستقبل يتطلب منا عدم النظر تحت أرجلنا، أو التفكير بمطلقية اللحظة، فالمطلق الوحيد هو مصير الشعب الواحد، وهو مصير مشترك لا تستطيع قوة في الأرض فرض سواه على شعب نجح في الإفلات من طلقة النكبة التي أريد لها أن تكون قاضية على هذا الشعب.
لم تكن النكبة مجرد تهجير لشعب من أرضه نتيجة حروب مدمرة كما حدث ويحدث في شواهد ماضية ومعاصرة، بل كانت عملية إحلال مصحوبة بعمليات إيادة ليس للمدن والقرى الفلسطينية بل لفكرة الوجود الفلسطيني برمته، وإن إعادة اختراع النكبة لم يتم ببراعة مثلما تم مع الانقسام الذي يتم سنته السابعة.
بالمجمل فإن تلك السنوات تشكل أكثر من ثلث عمر السلطة الوطنية التي تطبق عمرها العشرين هذه السنة حيث وصلت العام 1994 أول مجموعات الشرطة الفلسطينية وحيث وطأت قدما ياسر عرفات في تموز 1994. والمفارقة أن السلطة التي كانت مثار خلاف ونقاش حول شرعيتها من حركة حماس صارت غاية، يشكل الوصول لها مطمعاً تراق في سبيله الدماء الواحدة.
وحين يضيع ثلث عمر السلطة في انقسام واقتتال وفشل في تجسيد الوحدة الوطنية فإن لنا أن نتخيل أي مستقبل ينتظرنا.
هل من يقول إننا بعد بضع سنين سنشير إلى أن أكثر من نصف عمر السلطة ضاع في الانقسام لاسيما أن هناك قوانين وتشريعات تساهم في إطالة عمره وتمكينه.