بعد تسعة أشهر من الحمل، ولدت ثورة 30 يونيو/ حزيران المصرية رئيسها الجديد المنتظر، رئيس الجمهورية الثالثة كما يقولون، جاء "السيسي" رئيساً بلا انتخابات حقيقية، متزعماً أغلبية ساحقة استدعته لتولي الرئاسة، وكأي "ولي للعهد" في الممالك، فإن وراثته لمنصب الملك ـ الرئيس، بات معلوماً ومحسوباً، البطل الحقيقي في ظل هذه المعادلة، هو أي مرشح آخر، يتحدى هذه المسلّمات، إنها بطولة حقيقية مع أنها تنطوي على حسابات عددية خاطئة، لكن "الحساب" ليس مجرد أرقام، فهي تصبح من لحم ودم في حالة الانتخابات الرئاسية المصرية المقبلة.
تعلمنا من دروس الديمقراطية، أن الأقلية يجب أن تخضع للأغلبية، وأن صندوق الانتخاب هو المحدد والحكم، لكننا تعلمنا، أيضاً، أن الأغلبية ليست دائماً على حق، وأن الأقلية ليست دائماً على خطأ، فالتجارب الديمقراطية كثيراً ما أفرزت القادة الخطأ في ظل ظروف معينة، كثير من الحكومات يطاح بها قبل الأوان، لأن الناخبين لم يحسنوا الاختيار، وبالتالي، فإن صناديق الاقتراع، ليست بالضرورة، مقياساً للصالح من الطالح، ولعلّ تجربة وصول مرسي بزعامة الجماعة الظلامية لحكم جمهورية مصر العربية، إحدى أهم الخلاصات التي يجب التوقف عندها لدى الحديث عن الأغلبية ومعيار صندوق الانتخابات.
يتطلع الشعب المصري، ومعه كل الحق، إلى رئيس ينقذه من المحنة التي أدى إليها وصول جماعة الإخوان إلى الحكم، لكن هذا التطلع، أقرب إلى العاطفة منه إلى العقل، ليس فقط لأن السيسي لا يملك عصاً سحرية، ولكن، أيضاً، لأن تجربة الحكام المصريين من سلالة القادمين من القوات المسلحة، لم تكن كافية للوصول إلى ديمقراطية حقيقية، ومع أن تجربة عبد الناصر، ذات الأبعاد الجماهيرية والاجتماعية على مستوى المنطقة العربية كانت ناجحة في مفهوم العدالة الاجتماعية، إلاّ أنها لم توفر الأساس الذي يمكن معه الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية، ناهيك عن هزيمة 1967، التي جرت وراءها، رغم انتصار اكتوبر هزائم عديدة، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لا أعتقد أننا أمام مرحلة انتقال إلى الديمقراطية في مصر، في ظل وصول عسكري مصري له شعبية طاغية إلى الحكم، فالعقلية العسكرية ليست مجرد بدلة عسكرية يمكن خلعها، فنكفّ عن كوننا أمام عقلية عسكرية. في قوانين معظم الدول، يجب أن تفصل فترة زمنية بين التخلي عن "البدلة العسكرية" والتقدم إلى أي انتخابات مدنية، مدتها عادة أربع سنوات، وهي مرحلة قد تكون كافية للتخلي العقلي عن المفاهيم العسكرية المكتسبة، مع ذلك، فالرئيس المرشح، السيسي، تقدم للترشح جماهيرياً، ببدلته العسكرية، بعد استقالته، وكأنه يوجه رسالة واضحة، إلى أنه لا يزال ملتزماً بالمفاهيم العسكرية حتى بعد استقالته.
التليفزيون المصري، قدم دليلاً آخر، على أن الديمقراطية لا تزال مجرد وهم، عندما أفرد للسيسي وقتاً مستقطعاً من برامجه، لخطاب الترشح للسيسي، على شكل إعلان انتخابي غير مدفوع ومجاني وغير عادل، وكان يمكن أن يتم ذلك بطريقة أقرب إلى الفهم الديمقراطي من خلال مؤتمر صحافي للسيسي، تتم تغطيته عبر وسائل الإعلام، ومن بينها وسائل الإعلام الرسمية، كخبر وليس كإعلان مجاني، ذلك كله بوادر رغم شكليتها، إلاّ أنها إشارات كافية، كما نعتقد، بأننا لسنا أمام أي ديمقراطية أو انتقال لها!!
بترشح السيسي، أكدت جماعة الإخوان، أن ثورة 30 يونيو/حزيران، ما كانت سوى انقلاب، والدليل على ذلك هذا الترشيح، لكنها بذلك تتجاهل ذاك المد الشعبي الطاغي الذي رافق تلك الثورة التي لم تكن لتحدث لولا فشل إدارة الجماعة لحكم البلاد والعباد، وتصدي القوات المسلحة، بقيادة السيسي، لهذا الفشل وإنقاذ البلاد ومستقبلها، وكذلك إنقاذ المستقبل العربي من طغيان هذه الجماعة، لكن ذلك كله لا يوفر ضرورة بقلب الهرم على رأسه، وتولي شخصية عسكرية حكم البلاد.
لا يوفر ذلك ضرورة لسبب بسيط، ذلك أن هذا الرجل المنقذ والعظيم، كان يتبوأ مركزاً يمكن من خلاله القيام بمهامه الوطنية من دون أن يكون مقره الرئاسي في مبنى "الاتحادية" فقد كان مشيراً قائداً أعلى للقوات المسلحة، ونائباً لرئيس الحكومة، ومن الناحية الفعلية كان حاكماً للبلاد، وكان يمكن أن يقوم بمهامه من دون حاجة إلى تبوء مركز الرئاسة، خاصة وأن المهام الملقاة على عاتق الرئيس، أي رئيس، هي مهام قاتلة، صعبة ومريرة. الرئاسة في مصر في ظل الظروف الحالية، هي محرقة لأي رئيس، مهما تسلح بالشعبية، وحتى بالقدرات الخارقة، فلماذا يزجّ بهذه الشخصية الفريدة، والملهمة في أتون هكذا محرقة!!
من موقع الحب والتقدير للسيسي، كبطل قومي عربي، فإننا لا نتفق مع خياراته الرئاسية، حفاظاً على مصر وحفاظاً عليه، وتعبيراً عن حلم نظن أنه بدأ يتبدد، بالانتقال إلى الديمقراطية، كنتاج للربيع العربي. السيسي نجح في إنقاذ مصر وربما العرب من حكم الطغيان باسم الدين، فهل ينجح هذه المرة كرئيس في تحقيق أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو، خاصة في مجال الحريات والعدالة الاجتماعية والخبز للفقراء؟... لننتظر!
hanihabib1954@gmail.com


