إذا كان تحرير هذه المجموعة الأخيرة من صفقة إطلاق أسرى ما قبل أوسلو، سوف يتم فعلياً ليلة السبت – الأحد، فإن الإنجاز الوحيد الذي تحدثنا عنه عشية بدء هذه السلسلة الأخيرة من المفاوضات، من وجهة نظر الرئيس أبو مازن يكون قد تحقق. اذا كانت اللعبة منذ البداية واضحة من أن الإسرائيلي الغر كما أسماه ياسر عرفات واستخف به العام 1996، ليس في تفكيره او حساباته التوصل إلى اتفاق تاريخي مع آخر الفلسطينيين المعتدلين، وإنما استكمال الحلم الصهيوني المنقوص عام 1948 أو غير المكتمل زمن بن غوريون، بكسب المزيد من الوقت على طريقة التذاكي للسيطرة على الضفة الغربية هذه المرة، وما المفاوضات هنا سوى أداة أو وسيلة للضحك او الخداع، الضحك على الفلسطينيين وخداع العالم.
هل يخرجون إذن؟ اذا كان تمديد المفاوضات لوقت آخر مستقطع سنة أُخرى فقط، هو الهدف من أجل إنجاح هذه المناورة الكبرى. لكن مشكلة الإسرائيلي المتذاكي هنا أن اللعبة من الوضوح بحيث أن الجانب الفلسطيني يشارك فيها هو الآخر، بانتزاع ما يمكن انتزاعه أو اقتطاعه من قدرة الخصم على مواصلة تصميمه، وحيث يكتشف الفلسطينيون الضعفاء في نهاية الأمر كما لو أن الظروف المحيطة، البيئة الاستراتيجية هي التي تدفع بالرياح الى أشرعتهم وتعمل، يا للمفارقة المدهشة والغريبة ضد الإسرائيلي الأرعن. لقد سئموا منهم كما لو أن المعادلة تنقلب حتى باتوا في الغرب الذي لم يكن سابقا يحترم الضعفاء، يهددون الإسرائيلي القوي الذي أدهشهم في العام 1967 بالعقوبات، حتى بتنا إزاء ارتسام نوع من اللحظة الجنوب إفريقية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهكذا حتى في ذروة عودة العرب الى خلافاتهم القديمة في قمة الكويت، فإن الرئيس أبو مازن وليس المعارضة السورية هو الذي سوف ينعقد الإجماع على شخصه كما على قضيته. سيد نتنياهو رغم كل مشاحنات العرب بينهم وحروبهم الداخلية، فإنهم يتفقون على رفض الاعتراف بيهودية إسرائيل بالمطلق، وإذن هذه المسألة حتى لم تعد قابلة للنقاش.
يقطع جون كيري المثابر الذي امتدحه عباس في القمة العربية، زيارته الى إيطالية ويركض على عجل لمقابلة أبو مازن في الأردن، ولمدة أربع ساعات قال الأميركيون ان المحادثات بين الرجلين كانت بناءة. ولنا ان ندرك في الواقع إن كيري تحرك على هذا النحو العاجل مرتدياً الحذاء البرتقالي، انما لإطفاء النار قبل أن يهدد اشتعالها بحريق يأتي على الطبخة التي يعدها، لتحاشي الفشل بتحول مسألة الإخراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين إلى أزمة، بينما الهدف الرئيسي هو الحصول على موافقة الفلسطينيين على تمديد المفاوضات وقتاً آخر مستقطع، لانضاج اتفاقية الإطار التي ما برح يساوم الطرفين على خطوطها العريضة.
وهنا يمكن القول إن الرئيس أبو مازن لا يعارض من الناحية المبدئية تمديد المفاوضات، ولكنه كما فعل في المرة السابقة عند بدء هذه الجولة التي حددت مدتها بتسعة شهور، يريد الآن إعلاء الثمن وسط معارضة واسعة من شعبه لتمديدها. والاعتقاد السائد أنه مقابل التلويح بالانضمام الى مؤسسات الأمم المتحدة المعنية، والتي ترتعد لها فرائص بنيامين نتنياهو، فإن الشرط هنا هو الحصول على وقف دامغ للاستيطان الى جانب الإفراج عن الأسرى المرضى، ومروان البرغوثي ضمن المطالبة بالإفراج عن النواب الأسرى.
هل يوافق نتنياهو اذن على مشروع أبو مازن او يقوم طواعية بتسهيل هذه المهمة أمام الرجل الذي خاطب المجلس الثوري لحركة فتح، في لحظة عاطفية نادرة قائلاً لهم وللفلسطينيين ككل، انه يبلغ من العمر سن التاسعة والسبعين؟ ام ان المشروع او التصور الإسرائيلي من وراء تمديد المفاوضات أيضاً هو الآخر يوجد في مكان آخر عميق؟ وهو كيفية التسلل بين الشقوق لاستثمار الشقاق الفتحاوي هذه المرة من جديد بعد الانقسام بين "فتح" و"حماس"، ولكن هذه المرة في محاولة لحرف ميدان الصراع الرئيسي على الضفة وتنفيس طنجرة ضغوط جون كيري والأوروبيين، بالعمل على تحويل الانشقاق الفتحاوي إلى أزمة تمثيل داخل "فتح"، للتخلص من أبو مازن هذه المرة بعد عرفات؟. وهي الهواجس ربما التي أملت على الرئيس الفلسطيني، بتسليح نفسه بغطاء جديد من القمة العربية كممثل وحيد للسلطة ومنظمة التحرير على حد سواء، في مواجهة مستترة ولكن واضحة للمحور المصري السعودي والإماراتي. وحيث يبدو أبو مازن كما لو أنه يستعيد لحظة نادرة وملهمة من روح مناورة عرفات وحذاقته التكتيكية، بالبقاء على قدر من الطفو وسط هذا الصراع المحتدم بين المعسكرات وانقلاب التحالفات. غير بعيد عن المحور القطري التركي الإخواني الأميركي، ولكن مع حياد واضح من الأزمة السورية، وتبني الحل السياسي كمقاربة وحيدة لهذه الأزمة.
وإذ يبدو بهذا التصور لانقلاب التحالفات وصراع المعسكرات في العالم العربي، كما لو أن أبو مازن و"حماس" يقفان في معسكر أقرب الى بعضهما من أي وقت مضى، فإنه لا يمكن هنا تجاهل حقيقة ان خطاب التحدي والتحشيد الذي أطلقه إسماعيل هنية من ساحة السرايا وسط مدينة غزة، لم يكن مزعجاً لأبو مازن بقدر ما أنه يتوافق مع تصلبه الأخير في المفاوضات. "أما الإفراج عنهم أي الدفعة الرابعة بدون أي شروط وإلا. وحيث مصير مشروع الرجل و"حماس" معاً يوجد الآن على المحك. فهل هي لحظة الحقيقة لمصالحتهما والوقوف معاً في خندق واحد للدفاع كل منهما عن الحائط الفلسطيني الأخير في الضفة وغزة ؟ إذا كان التهديد في البيئة الإقليمية كما من جانب إسرائيل لكليهما معاً.


