الفرق بين التنظيمات الثورية والإخوان المسلمون كبير. لكن أهمه يمكن تلخيصه في أن الإخوان يؤمنون بالإصلاح التدريجي الذي يبدأ من الأسرة الضيقة وينتهي بالمجتمع في حين أن القوى الثورية تؤمن بحركة الجماهير القادرة عند ثورتها على الإطاحة بكل ما هو قديم.
كلمة "تربية" لا تفارق أدبيات الإخوان أو اجتماعاتهم الدعوية، حتى أني قرأت لأحد نشطاء الإخوان المصريين عَتبه على قيادته التي اهتمت في السنوات الأخيرة بالسياسة على حساب "تربية المجتمع".. لهذا يقول الناشط " شاهدنا الفقراء الذين كنا نوزع عليهم الإعانات يقومون بملاحقة من قدموا لهم الطعام".. مضيفاً، لو "أننا ركزنا على تربيتهم بدلاً من الدخول في السياسة لما قاموا بذلك."
الإخوان تنظيم إصلاحي، لا يؤمن بالعمل الثوري، وكل من لديه اطلاع على أدبيات الإخوان ونشاطاتهم منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي يدرك ذلك.
في الأردن لم يشارك الإخوان في أحداث العامين 1989 و 1996 عندما خرج الفقراء للاحتجاج على ارتفاع الأسعار.. وشاركوا أو قاطعوا (لأسباب تخصهم) جميع الانتخابات البرلمانية التي جرت منذ عودة البرلمان.. وهم متهمون من قبل النشطاء الأردنيين بأنهم حلفاء القصر لأن المسألة الوحيدة التي يكترثون بها هي قانون الانتخابات الذي لا يعني شيئاً لمن يكافح من أجل لقمة عيشه اليومية.
حزب التجمع اليمني للإصلاح (حزب الإخوان) كان جزءا من نظام العقيد علي عبد الله صالح حتى بدأ الحراك الشعبي.. حزب الحرية والعدالة المغربي (حزب الإخوان) اختار طريق الملك الحسن الثاني مفضلاً اللعب بما تيسر على حساب حراك شعبي قد لا يؤدي الى نتائج أو قد يؤدي الى صدام.
الخليج بدوله المتعددة كان ملاذاً للإخوان منذ أيام عبد الناصر.. اعتبروه مصدراً لتمويل الجماعة ومصدراً للرزق.. لم ينشطوا فيه إلا لتمويل جماعتهم وبرعاية من أمراء تلك الدول ومباركتها.. ولم يصدر عنهم كلمة واحدة قد يفهم منها أنهم يقفون حيث لا يقف.. في حرب الخليج الثانية، اختار الإخوان وعلى عكس منظمة التحرير، الوقوف مع الكويت لا مع العراق.. وعندما بدأ الحراك الشعبي في سورية، اختار الإخوان أن يقفوا مع دول الخليج ضد النظام السوري، على الرغم من أن الأخير هو الذي احتضن "حماس" عندما لم تجد مكاناً تلجأ إليه.
وفوق هذا وذاك.. فضل الإخوان واحتراماً "للممول" و"صاحب العمل" أن يغضوا بصرهم عن الحراك الشعبي في البحرين (على عكس ما يقولون بأن موقفهم من سورية هو من باب الاحترام لثورة شعبها وانسجاماً مع مواقفهم المبدئية من الثورات).. وكانت زيارة إسماعيل هنية للبحرين من باب التأكيد على أن هنالك "ثورات" يمكن الوقوف معها لأنها لا تتعارض مع "مصدر الرزق" وثورات تؤدي الى "جفافه" وبالتالي لا يمكن تأييدها.
في مصر لم يرغب الإخوان بالثورة ولم يشاركوا فيها كتنظيم يوم 25 يناير.. وقد تستغربون.. أرسلوا رسائل واضحة لنظام مبارك يعلنون فيها بأن طريقهم هو "طريق الإصلاح الدستوري" وأنهم "يفضلون الاستقرار والإصلاح في كل الظروف والأحوال" (من بيان الإخوان يوم 19 يناير 2011).. حتى بعد ان خرج ملايين المصريين يوم 28 يناير، وكان بينهم الإخوان كتنظيم هذه المرة، يرددون شعار إسقاط النظام (ارحل).. كانت مطالب الإخوان هي حل مجلس الشعب وإعادة انتخابه وإلغاء قانون الطوارئ، وتعديل الدستور لضمان منافسة نزيهة في الانتخابات" (من بيان الإخوان المصريين يوم 29 يناير 2011).. وباستثناء بيانهم يوم 31 يناير الذي طالبوا فيه صراحة برحيل النظام هذه المرة، فاوض الإخوان نظام مبارك على الإصلاح الدستوري حتى رحيله يوم 11 فبراير.
الإخوان لم يكونوا يوماً ما تنظيما ثورياً.. هم لا يؤمنون بالثورة.. وعقيدتهم هي الإصلاح.. كانت كذلك وقد تبقى كذلك أيضاً لأن استلامهم للسلطة في تونس ومصر لم يغير من حياة الناس شيئاً بالمعنى الثوري لسلطة جاءت بعد ثورة.
ثم يأتي من يقول الإخوان تنظيم إرهابي.. ليسوا ثوريين.. ولا إصلاحيين.. ولكن ألعن: إرهابيين! لا فرق بينهم وبين تنظيم القاعدة أو داعش والنصرة على يمين "القاعدة"!
حصل الإخوان في مصر على ستة ملايين صوت في انتخابات الرئاسة الأولى قبل جولة الإعادة العام 2012. وهو مؤشر يمكن أن نفهم منه بأن حجمهم الانتخابي الحقيقي هو من انتخبهم. وهو أيضاً مؤشر على أن تنظيم الإخوان عدداً لا يقل عن نصف مليون.
تخيلوا الآن لو أن هذا التنظيم لجأ الى الإرهاب بعد الذي جرى في ميدان رابعة العدوية وبعد اعتقال أكثر من عشرين ألفاً من أنصاره وأعضائه، وبعد الحكم على 529 من أعضائه دفعة واحدة بالإعدام.. ربما كنا سنشاهد سورية أو جزائر جديدة في مصر!
من الصعب الدفاع عن الإخوان لوقوفهم في المنطقة الرمادية في بعض الدول، ولوقوفهم ضد الثورة في بعضها الآخر، ولوقوفهم مع النظام في دول أخرى.. لكن ما هو ثابت أن الإخوان لم يكونوا إلا إصلاحيين.. ولمن لا تعجبهم كلمة "إصلاحيين".. هم كانوا دائما "انتهازيين" يفضلون مصلحة التنظيم على مصلحة الشعب لأن طريقة تفكيرهم التي تعتمد على "التربية" تعطيهم "الأريحية" في ادعاء فهمهم لمصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه.
القليل من المنطق والعقل يستدعي التوقف.. إذا كان البعض يريد تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي فماذا تبقى من تيار الإسلام السياسي الوسطي. لا تهمني مواقف الإخوان السياسية التي أختلف معها كما هو واضح.. لكن لا يجب القبول بدفع الإخوان أو جرهم للإرهاب لأن في هذا توسيع لدوائر الصراع الأهلي المدمرة التي تجري في العديد من الدول العربية.


