هل اكتفي بحصر القضية في مربعها الصغير الجميل الذي رسمه بريشته الموسيقار المبدع و اوصله الينا بصوته الاكثر ابداعا ، كل ده كان ليه لما شفت عينيه ، ام اغرد مع السرب وبين اضلاع مربع الاوضاع ؟!
موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب قد وظف السؤال الكبير كبر التاريخ كله في مسألة حب وغرام وعشق وهيام لا تتعدى دائرة محدودة جدا ومغلقة على رجل وامرأة ، وهو ما لم يعد ممكنا ، بل لم يعد مناسبا ولا لائقا ولا مستساغا في ايامنا الرمادية هذه وظروفنا الحالكة السواد ، والتي لو بعث فيها عبد الوهاب حيا لمنعه الحياء من ان يمسك بعوده ويدندن ولو لحن عشق واحد ، او حتى يمسك العود من اصله ، الا اذا اخذته العزة بالاثم وقرر ان يغني على ليلى هذا الفريق او ذاك ، ولو ان نزار قباني قد هب من رقدته الاخيرة ورأى ما نحن فيه لآثر ان يرجع من حيث اتى ولم يترك لنا حرفا واحدا من قصيدة حب ، ولا احسبه سينسى في انسحابه غير المنظم من حياتنا ان يلملم على عجل كل ما قاله من شعر في حب الوطن او حتى البكاء على اطلاله ويلقي به في اقرب سلة مهملات ، الا قصيدة واحدة هي " متى يعلنون وفاة العرب " سيتركها لنا مذيلة بخط يده ( شكرا ، تسلمت الاعلان )
- ماما ، ليش بتبكي ، ايش صار ؟!
انتزعني سؤال ابنتي المفاجئ من استغراقي في الغوص داخل نفسي الى حد الغرق ، اربكني شعوري بالحرج فتلعثمت وانا احاول ان اغطي الشمس بغربال
- انا ابكي ! لا ابدا ، يمكن عيني دخل فيها شي
- ماما !!! انتي بتبكي ، ايش مالك ؟
اجبتها بحزم وشيئ من الزجر لتتركني فيما انا فيه وتمضى الى حال سبيلها
- قلتلك مافي شي ، خلصتي حفظ القصيدة ، قصدي فتح الاندلس ؟
سارعت ابنتي الى التقاط كتاب التاريخ وهي تطلق زفرة ملل يعتريه الاحتجاج
- لسه ما خلصت ، الدرس طويل وممل ومكرر ومحبط .. عارفه ياماما ، العرب هادول غريبين ، ما بيتعلموا من اخطائهم .
تعمدت عدم الرد او حتى مجرد النظر باتجاهها حتى لا افتح باب حوار مع ابنتي احاول اصلا ان اغلقه مع نفسي .. عاودت محاولتها استدراجي الى الحوار
- طيب احنا قعدنا في الاندلس تمانميت سنة وزيادة، ليش ما نطالب فيها وناخدها من الاسبان اللي محتلينها الان
نفذ صبري فنهرت ابنتي وانا على حافة الانفجار
- قلتلك خلصي دروسك وبلاش تضييع وقت ، شوية والكهربا راح تقطع ومفش سولار للمولد .
بصراحة ، لم يكن لتوتري ولا انفعالي علاقة باي فعل فعلته ابنتي او قول قالته ، فهي لم تجانب الصواب عندما جزمت بانني ابكي ، وما قالته عن حقنا في المطالبة بالاندلس اكثر منطقية من ما قاله احد الشخصيات البارزة في اسرائيل مدافعا عن احقية اليهود بارض فلسطين وشرعية تحريرها منا نحن الفلسطينيون المحتلون لها " ارجعوا للتوراة وستجدون اننا كنا هنا قبل خمسة الاف عام " .. تبسمت بلا احساس بالابتسامة وانا اتذكر غضبة صائب عريقات وهو يرد الصاع صاعين لتسيبي ليفني صافعا اياها بحقيقة اننا نحن احفاد كنعان اهل هذه الارض من قديم الزمان ..
قال لي كام كلمة ، يشبهوا النسمه في ليالي الصيف .. هذا ليس رد ليفني على صائب عريقات طبعا ، لكنه ما حفز مشاعري فاطلقت العنان لدموعي وانا اتذكر ما قرأته في مقال منشور باحد المواقع الاخبارية المصرية عن اغلاق برج الجزيرة بالقاهرة لعدم توفر مستاجرين له .. ذلك البرج العريق بكل رمزيته وتاريخه الطويل في خدمة السياحة في مصر ، وفوق هذا كله باعه الاطول في ميدان الرومانسية والحب والتذكير بروعة الزمن الجميل ، لا يجد الان بعد ان وصل الحال بمصر ما وصل ، من يستاجره ويتولى تشغيله فتضطر الدولة لاغلاقه ، ما يعني انه لا يوجد في مصر ولا خارجها من يثق في ان الوضع يمكن ان يسمح لاحد بالتفكير في الحب والرومانسية او حتى في قضاء لحظات يمتع نفسه خلالها بمنظر القاهرة ونيلها واهراماتها من مكان واحد هو البرج ، او اذا كان مثقفا واعيا ان يطلق العنان لذاكرته تقلّب صفحات تاريخ كان مجيدا ، ولا تقولوا وانت مالك خليكي في همك وهمنا ولا تتدخلي في شؤون الغير ، كلا ايها السادة ساتدخل في ما تسمونه شؤون الغير ، لان الشأن المصري والسوري واليمني والليبي والعراقي والتونسي وكل شؤون العرب والمسلمين ايضا هي شأني وشأنكم وارجعوا للتاريخ وستجدون ان كل مآسينا قد بدأت يوم تقوقع كل منا على ذاته ولاذ بشرنقة انانيته واطماعه الشخصية رافعا شعار وانا مالي ، ومبررا تلك الخطيئة بقولة حق يراد بها باطل ، عدم التدخل في شؤون الغير .. وكأن استقلال اخيك في بيته الخاص يكفي لأن يجعل كل ما يدور في ذلك البيت مهما كانت اهميته وخطورته وتاثيراته المدمرة على العائلة كلها ، شـانا داخليا من شؤون الغير .
يعني لا مفر ، سيان ان نحصر القضية في مربع الحب والغرام ونحاول ان نغني ونفرد وشنا شويه ، ام نلحق بالركب ونبكي على الاطلال ، فالهم ورانا ورانا ، اتدرون لماذا ؟ لاننا على ما يبدو مصنوعون من هم ، او لاكون اكثر دقة مخلوقين للهم والغم .. ماشي ، بلاها لما شفت عينيه ، وخلينا بس في كل ده كان ليه ؟؟؟؟
لو قالها ابانا آدم لأمنا حواء وهو يعض بنان الندم على ما خلفاه وراءهما من نعيم الجنة قبل ان ينفيهما الله الى الارض عقابا على ذلك الخطأ الشهير الذي غير مجرى الكون ، وبعد كل ما كابداه من تعب ونصب ومعاناة في دنياهما الجديدة ، لردت حواء كعادتها ، اللهم اخزيك يا شيطان ، مين قالك تسمع كلامي ، وربما تردف قائلة ، لاتقاء شر غضبته ان تجرأ وغضب ، نصيبنا هيك ، الله غالب . ولا تستهجنوا رجوعي بالقضية الى بداية الخليقة فاسرائيل ترجع الى الخالق ذاته لشرعنة سلبها لفلسطين ، ولو قالها العرب وهم يرقصون مذبوحين من الالم الان ، موشكين ان يلفظوا انفاسهم الاخيرة في مستنقع الشقاق والاقتتال لتثبيت ما يسميه البعض بالربيع العربي على خارطة الفصول السياسية او لمحوه من تلك الخريطة تماما ، لعاد فريق منهم الى جاهلية الجاهلية والقى بالتهمة على جينات العرب وما يجري في عروقهم من دماء تشكل الغطرسة وعشق السلطة والهيمنة والتمرد على الحاكم نصف المكون الرئيس فيها ، وفي الوقت ذاته ، وانتبهوا جيدا لهذا التناقض ، تشكل التبعية للحاكم والانقياد للسلطة وتأليه القادة والزعماء النصف الاخر ، ولا تستغربوا وتظنوا اني اقول قولا مرسلا قد يجعل بعد المسافة الزمنية اثباته عسيرا ، فما اتحدث عنه هو جينات لا تزال مفعّلة في تكوين العرب حتى اليوم ، وما عليكم الا ان تستعرضوا كم زعيما او قائدا عشقته العرب الى حد التأليه ثم انقلبوا عليه وقتلوه ، من كليب بن ربيعة التغلبي وحتى معمر القذافي الليبي ، مرورا باعداد لا تحصى ولا تعد من الملوك والرؤساء والقادة والزعماء الذين قتلوا اوطردوا شر طردة من مواقعهم وقضوا بقية حياتهم اما في السجن او المنفى او قيد الاقامة الجبرية بعد ان كانت لهم الحظوة والدرجة العالية الرفيعة في قلوب الجماهير .
اما الفريق الاخر فسيقول بذات الاصرار والثقة في كون قوله هو الحق ، انها امريكا واسرائيل وعملاؤهما من العرب وغير العرب بالمنطقة ، على اعتبار ان تركيا ليست عربية ، اتدرون ، الفريقان على صواب ، هي امريكا واسرائيل فعلا ، تستغلان جينات العرب والتشوهات الخلقية في سلوكهم تجاه بعضهم البعض ، فامريكا تعزز مفهوم الاستعمار عن بعد والذي استبدلت به نمطية الاستعمار القديم القائم على الاحتلال الفعلي للارض ، واسرائيل تستمتع ايما استمتاع بنظرية التحلل الذاتي والتي يفني العرب من خلالها انفسهم بانفسهم لتخرج هي منتصرة في حرب لم تخض غمارها بالمفهوم التقليدي للحروب .
ارجعوا بذاكرتكم الى حرب الايام الستة او ما يسمى حرب حزيران عام سبعة وستين ، وتخيلوا الكم الهائل من الشعور بالمرارة الذي انتاب قادة اسرائيل وهم يقفون على الضفة الشرقية لقناة السويس ويرون الطريق امامهم مفتوحا الى القاهرة ومنها الى ما تبقى من حلمهم الكبير " من الفرات الى النيل " ولا يجرؤون على التقدم خطوة واحدة خشية ان تبتلعهم الكتلة السكانية الهائلة الحجم بالنسبة لهم ، كانوا كالطفل الذي ركض خلف الكرة فوجد نفسه فجأة على شاطئ بحر متلاطم الامواج فتسمر في مكانه خشية الغرق ، ولكن قادة اسرائيل ورعاة المشروع الصهيوني الاكبر لم يتسمروا في مكانهم كالطفل بل شرعوا من حينها في تنفيذ مخطط تقطيع الرغيف ليسهل مضغه ومن ثم تفتيته ليمكن ابتلاعه ويصبح بعد ذلك طحنه او سحقه او تذويبه لاتمام هضمه مجرد تحصيل حاصل ، ويذهب غثاء السيل ، اقصد العرب ، جفاء ولا يبقى في الارض الا ما ينفع الناس ، اسرائيل طبعا
العرب يا سادة لا ينفعون حتى انفسهم بل هم وبال على اخوتهم واحبائهم قبل اعدائهم ، اما اسرائيل فصالح اعمالها في سياق خطتها لتكسير الصخرة العربية التي كنا نظنها من الجرانيت فاذ بها حجر جيري يذوب في الماء ، ظاهرة للعيان ، ولا يختلف عليها اثنان ، الم تروا صور نتنياهو في مواقع الاخبار يرتدي سترة كاجوال يبدو انه التقطها على عجل من على المشجب الذي بجوار الباب وهو يخرج مسرعا تستبد به اللهفة على زيارة الجرحى السوريين الذين يتلقون العلاج في مشافي اسرائيل ليس لاصابتهم في حرب معها وانما في حرب مع اعدائهم الحقيقيين ، اخوتهم سابقا ، الم تروا ايضا وفي ذات المواقع الصور الصادمة المقززة لوحوش داعش والنصرة والجيش الحر والجيش غير الحر وهي تعدم العرب والمسلمين من ابناء جلدتها بدم ابرد من دم هولاكو وجنكيز خان !!
الظاهر سارجع للبكاء و اقع تحت طائلة تحقيق ابنتي في السبب ، والاهم من ذلك ان البكاء سيطول وربما لا يتوقف ، يعني ابكي على ايش وللا ايش ، على اهلي يسفكون دم بعضهم بعضا في سوريا ، ام على اخوتي يفترس كل منهم الاخر في ليبيا واليمن والعراق ، ام على نار الفتنة والارهاب تسري في مصر ، حتى دول الخليج العربي التي كان المستحيل عينه ان تختلف مع بعضها البعض مجرد خلاف ذي بال بدأت تنزلق نحو العداء السافر تمهيدا للحلقة الاخيرة في مسلسل " من الفرات الى النيل ارضك يا اسرائيل " .. طيب ونروح بعيد ليش ، وهل ينقصنا في غزة او باعتبارنا فلسطينيين ما يكفي للبكاء عليه دهرا ويزيد !!
لا حول ولا قوة الا بالله ، الحزن علينا هو المكتوب ، وانا شربت كأس الحزن حتى الثمالة ، يا عم دع الخلق للخالق ، طول عمر العرب وهم في انقسام واقتتال وخيانة وغدر منذ عرفهم التاريخ ، ولا تصدقوا اننا كنا امة عربية واحدة وامجاد ياعرب امجاد ، هم ميتين تلاتميت سنة مش اكتر وحدتنا فيها الخلافة الاموية ومن بعدها العباسية ولم تخل من الاقتتال والفتن ، وقبل ذلك كان العرب منقسمين بين المناذرة التابعين لكسرى الفرس والغساسنة التابعين لقيصر الروم وبينهما عرب الجزيرة الموغلين في البداوة والغزو والسلب والنهب في صراعهم من اجل البقاء ، وبعد ذلك انقسم العالم العربي الى دويلات انفصالية اكبرها مصر التي استقل بها احمد بن طولون التركي الاصل في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري
دعوني اتصالح مع نفسي واعود الى برج القاهرة لاختلس ولو هنيهة من سكينة الرومانسية وسحر الحلو الاسمر ، التبر السائل بين شطين ، نيل مصر الذي وهبها الحياة ، يا الله ، حتى في هذه ارى الافعى الرقطاء اسرائيل كامنة تحرك راسها يمنة ويسرة استعدادا للدغة الاخيرة ، الفرات قد كفتها امريكا مؤنة تنفيذ المرحلة الخاصة به من مخطط بني صهيون ، ويبقى النيل ، لا يكفي ان يختلف المصريون او حتى يقتتلوا فقد يعودوا للتوحد في وجه اسرائيل لو اكتشفوا حقيقة مخططها ، لابد من تجويعهم وحرمانهم من قطرة الماء ذاتها ، سد النهضة اكتمل اكثر من ثلثه ، واثيوبيا تسابق الزمن لانجاز بقيته ، والهدف المعلن هو انتاج الطاقة الكهربائية التي تحتاجها اثيوبيا للتطور ، وهذا ليس صحيحا اذا انها ستبدا في نهاية هذا العام بالحصول على ضعف انتاجها الحالي من الكهرباء بتشغيل توربينات سد جيبي الثالث الذي اقامته على نهر اومو ودون حاجة لسد النهضة ، هدف اثيوبيا الحقيقي هو بيع الكهرباء للدول المجاورة ، وليس هذا فقط هدف اسرائيل التي ترعى وتساهم في تمويل انشاء السد المقام على النيل الازرق وقد تعاقدت سلفا مع دولة جنوب السودان وكينيا على تزويدهما بالكهرباء التي ستحصل عليها من سد النهضة ، يعني اسرائيل هي الوكيل المعتمد ، وهدفها الحقيقي هو تعريض مصر لجفاف حاد وهي اصلا بلد زراعي ، وايضا تعريضها لانخفاض اكثر حدة في معدل توليد الطاقة الكهربائية المنخفض اصلا بما يجعلها تحتاج لاسرائيل في سد احتياجاتها من الكهرباء وايضا من الغاز الذي قد يعكس اتجاهه ليصبح من اسرائيل الى مصر بعد ان تسرقه اسرائيل من حقول بحر غزة . اما عن مشكلة الجفاف واثرها على لقمة العيش فلا ادري كيف ستحلها اسرائيل لنا .
اليس هذا مضحكا مبكيا وشر البلية ما يضحك !! اسرائيل تعالج جرحى العرب رغم انها بريئة من دمهم ، واسرائيل تهدئ روع الخائف وتغيث الملهوف ، واسرائيل تنشر الحضارة وتساهم في تنمية المنطقة ، واسرائيل مرشحة لان تبيع الكهرباء والغاز وربما الماء ايضا لدول عربية ومع كل كيلو وات في الفاتورة ربطة خبز لاطعام الجياع ، وهل يجوز مع كل هذا ان يستمر العرب في مكابرتهم واعتبارهم لاسرائيل كيانا معاديا ، ولو في الظاهر فقط !!
قومي يا ماما خلينا ننام وطفي الانوار كلها والتدفئة وافصلي حتى التلاجه ، حرام ، خلينا نوفر شوية كهربا لغيرنا ونعود حالنا على اللي جاي .. وياستي بدل ما الكهربا تيجي ثمان ساعات خليهم اربعه
حدقت ابنتي في وجهي بدهشة وهي تقول
- اي كهربا واي تدفئة ياماما ، انا نشفت من البرد اصلا ، احنا النا من اول الليل على خلقة هاللمبه اللي بتضوي بالبطارية
اجبتها باقتضاب وانا انهض من مكاني
- حتى هادي اطفيها ما بدنا اياها ، بالناقص .. عتمة الليل اخف وطأة على النفس من عتمة القلوب والعقول
قبل ان استسلم للنوم داهمني شعور بالتصدع وانا اسال نفسي السؤال الكبير كبر التاريخ كله ، كل ده كان ليه ؟؟!! و اتخيل العبارة التي سيذيل بها نزار قصيدته " متى يعلنون وفاة العرب " وهو يولي هاربا من دنيانا ....
" شكرا ، تسلمت الاعلان "


