رغم ثبوت عقم التعاقد السياسي لـ"مفاوضات الأرض مقابل السلام" التي أطلقها "مؤتمر مدريد"، 1991، ورغم وصوله إلى طريق مسدود وتحوله إلى مجرد شكل لإدارة الصراع عوض إيجاد تسوية سياسية له، ما انفكت الأنظمة الرسمية العربية تتشبث بإدامة هذا التعاقد، ذلك لأن من شأن إنهائه أن يعيد المواجهة بالمعنى الشامل للكلمة إلى ما كانت عليه قبل إبرامه.
بل إن أغلبية الأنظمة الرسمية العربية تخشى انفراط عقد هذا التعاقد أكثر من إسرائيل وحليفها الإستراتيجي الثابت الولايات المتحدة المستفيديْن الأساسييْن من إدامته.
أما لماذا؟ لأن من شأن ذلك أن يكشف عجز هذه الأنظمة وتبعيتها للسياسة الأميركية وخضوعها للعربدات الإسرائيلية وتهربها من الوفاء بالتزاماتها القومية تجاه القضية الفلسطينية التي تبقى- شاء من شاء وأبى من أبى- "قضية العرب المركزية".
وأكثر من ذلك فإن بعض هذه الأنظمة يتمنى اليوم لو أن المفاوض الفلسطيني يتخذ "قرارات صعبة من أجل السلام" كما تدعوه إلى ذلك إدارة أوباما، فيما يعلم الجميع، أن اللغة الدبلوماسية لهذه الدعوة هي مجرد ظاهر يحجب ضغوطاً وتهديدات وابتزازات تدور في الغرف المغلقة لانتزاع موافقة فلسطينية على"اتفاق إطار" يعادل قبول التفاوض على أساسه الموافقة المبدئية على شطب القرار الدولي 194 المتعلق بحق اللاجئين في العودة، والتسليم بمساواة القدس ببعض ضواحيها عبر تمرير حيلة: "يكون للفلسطينيين عاصمة في القدس"، وببقاء الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة، وببقاء جيش الاحتلال لمدة طويلة - أي دائمة - على حدود فلسطين مع الأردن، وبتحويل جدار الضم والفصل إلى حدود سياسية رسمية، وبإرجاء البحث في مصير غزة لإدامة فصلها عن الضفة. ماذا يعني هذا الكلام؟
إن بعض الأنظمة الرسمية العربية المختبئة خلف الحجة الزائفة: "نقبل بما يقبل به الإخوة الفلسطينيون"، قد انتقل من موقع المتهاون إلى موقع المتواطئ مع إدارة أوباما التي لم تكتفِ بما أبداه المفاوض الفلسطيني من مرونة زائدة ومجانية في "قضايا الوضع النهائي" سواء لناحية القبول بالتباسات "إيجاد حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين"، أو لناحية القبول بحدود الرابع من حزيران 1967 حدوداً للدولة الفلسطينية، أو لناحية القبول بمبدأ "تبادل الأراضي" المعادل - أياً كانت نسبته وقيمته - لبقاء جزء من الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة، أو لناحية القبول بوجود مؤقت لطرف ثالث - حلف الناتو مثلاً - في منطقة الأغوار وعلى الحدود مع الأردن، أو لناحية القبول بإعطاء مدة 3 - 5 سنوات لانسحاب جيش الاحتلال من الضفة.
وأظن، وليس كل الظن إثماً، أن ضمان السيد كيري لموقف بعض الأنظمة الرسمية العربية هو ما يفسِّر تفاؤله الزائد حدَّ الأمل في التوصل إلى "اتفاق حل نهائي" "ينهي المطالب"، و"يضع حداً للصراع"، فيما يعلم كيري وغيره أن الأمل في قدرة تسعة شهور من المفاوضات على حل صراع عمره مئة سنة، وفشلت 25 عاماً من المفاوضات في تسويته، هو أقرب إلى "أمل ابليس في الجنة"، بل هو مجرد نكتة مثقلة بخداع التبني الأميركي الكامل لشروط ومطالب حكومات إسرائيل المتعاقبة وصولاً إلى تبني شروط حكومة نتنياهو ومطالبها الصهيونية التعجيزية، ما يجعل وعود إدارة أوباما للفلسطينيين مجرد ضباب لإخفاء حرصها على استمرار التحكم بملف القضية الفلسطينية، بل العمل على تصفيتها باسم إيجاد حل لها.
لذلك كان من الطبيعي أن تتبدد آمال كيري ورئيسه أوباما في التوصل إلى "اتفاق حل نهائي" أو حتى التوصل إلى "اتفاق إطار" يستجيب لجوهر المطالب الصهيونية الناسفة لأدنى الحقوق الفلسطينية.
هنا لم يتبقَ أمام إدارة أوباما كناقل لمطالب حكومة نتنياهو أشد حكومات إسرائيل تطرفاً سوى العودة إلى لغة التهديد والوعيد لضمان بقاء المفاوض الفلسطيني في إطار تعاقد التفاوض من أجل التفاوض وبلا شروط مسبقة، بل ومطالبته بالإقدام على "مجازفات" ليس بوسع فلسطيني - حتى لو أراد - الإقدام عليها لأنها تساوي الموافقة على المطالب الصهيونية لحكومة نتنياهو وطموحها في فرض شروط الاستسلام على الشعب الفلسطيني، ما يعكس الثمار المرة والنتائج المدمرة للخلل البنيوي المتمثل في قبول البحث عن إمكان إنهاء سيطرة إسرائيل على الضفة وغزة من دون تحويل احتلالهما إلى مشروع خاسر بالمعنى الشامل للكلمة، أي عبر الدخول في مفاوضات مباشرة مع حكومات احتلال استيطاني إقصائي احلالي عدواني توسعي، وترعاها وتتحكم في مجرياتها الولايات المتحدة الحليف الإستراتيجي الثابت لهذا الاحتلال.
لقد تبدى فشل هذا الخيار العقيم والمدمر مبكراً، لكن مراجعة جادة له لم تحصل، بل ونجحت الضغوط والتهديدات والابتزازات الأميركية في نهاية تموز الماضي في إجبار المفاوض الفلسطيني على الدخول - بلا شروط ومرجعية محددة - في جولة مفاوضات من تسعة شهور، حرصت الإدارة الأميركية على سرية مجرياتها، وعلى تخويل وزير خارجيتها كيري وحده بالإعلان الرسمي عنها.
بعيداً عن آمال إدارة أوباما في إمكان التوصل إلى "اتفاق حل نهائي" للصراع وفقا للمطالب الصهيونية، وبعيداً عن خداع محاولتها فرض "اتفاق إطار للتفاوض على أساس هذه المطالب، فإن تمديد المفاوضات الثنائية المباشرة برعاية أميركية، أي بلا شروط وخارج مرجعية القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع، هو الهدف الفعلي المباشر لإدارة أوباما وما تمارسه من ضغوط وتهديدات وابتزازات على المفاوض الفلسطيني في ظل وضعية وطنية فلسطينية يسودها الضعف والانقسام والالتباس، ويزيدها ضعفاً على ضعف انشغال مراكز القوة العربية بهموم داخلية وتحديات مصيرية هي الأخطر منذ عقود.
ضغوط وتهديدات وابتزازات هائلة وثقيلة تدعو إلى اتخاذ "قرارات صعبة" والإقدام على "مجازفات" "من أجل السلام".
هكذا لخص الأمر وكثفه الرئيس الأميركي أوباما في الأسبوع الماضي خلال لقائه الرئيس أبو مازن في البيت الأبيض.
والسؤال: ما هي "القرارات الصعبة" المطلوب من المفاوض الفلسطيني التجرؤ على اتخاذها بعد كل ما أظهره من مرونة زائدة على أمل تليين مواقف أكثر حكومات إسرائيل عدوانية وتوسعية وتطرفاً سياسياً وتشدداً أيديولوجياً، ذلك حتى من وجهة نظر جهات سياسية وحزبية وإعلامية إسرائيلية صهيونية؟!
بإيجاز وتكثيف شديديْن إنها الدعوة إلى تمديد المفاوضات في ظل استمرار، بل تصعيد، إجراءات سياسة مصادرة الأراضي والاستيطان والتهويد والحصار والعدوان والاغتيال والاعتقال والاعتداء على المقدسات واستباحة كل ما هو فلسطيني.
لكن لعل من المفيد إعادة التأكيد على ما سجلناه في مقالة الأسبوع الماضي بالقول: "إن تمديداً للمفاوضات في ظل التصعيد الميداني الإسرائيلي غير المسبوق إنما يعني أن فائض عنجهية حكومة نتنياهو يدفعها إلى الاعتقاد بإمكان الفصل إلى ما لا نهاية بين سياسة المفاوضات والتهدئة وسياسة التصعيد الميداني بما يحول الأولى إلى مجرد غطاء للثانية، بل الاعتقاد بأن تصعيد جرائم الحرب الموصوفة يردع الفلسطينيين و"يكوي وعيهم" المقاوم.
وهذه فرضية صهيونية قديمة ثبت بطلانها حتى أن أوساطا سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية إسرائيلية ما انفكت تحذر نتنياهو من مغبة التعلق بأهداب هذه الفرضية الواهمة التي أورثت حكومات إسرائيل السابقة مفاجآت الهبات والانتفاضات الشعبية الفلسطينية، بدءاً بحكومة شامير - رابين التي فاجأها اندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى العام 1987، مروراً بحكومة نتنياهو الأولى التي فاجأها اشتعال "هبة النفق" المسلحة العام 1996، وصولاً إلى حكومة باراك التي فاجأها اندلاع "انتفاضة الأقصى" العام 2000.
ولعل كل مقاربة لا ترى هذه الحقائق في راهن الصراع إن هي إلا مقاربة ذاتية قاصرة تتجاهل - سيان بوعي أو بجهالة - أن الحالة الشعبية الفلسطينية السائدة في الأراضي المحتلة العام 1967 تشبه إلى درجة كبيرة حالة بركان يوشك على الانفجار، وأن سياسات الاحتلال واستباحاته الميدانية هي- في نهاية المطاف - ما يحدد توقيت اندلاع الهبات والانتفاضات الشعبية الفلسطينية وطبيعتها ومداها.


