الموضوع الساخن الذي يفرض نفسه على أجندة العلاقات الفلسطينية - الإسرائيلية والأميركية - الإسرائيلية هذه الأيام هو موضوع الإفراج عن الدفعة الرابعة من المعتقلين الفلسطينيين وفق الاتفاق الذي تم بين الأطراف الثالثة الضالعة في العملية التفاوضية.
فالموقف الفلسطيني بالموافقة على استئناف المفاوضات جاء بعد أخذ ورد مع الجانب الأميركي وبعد أن تم التخلي عن بعض الشروط والمتطلبات التي تراها القيادة مهمة لإنجاح المفاوضات، وتعبر عن مدى التزام إسرائيل بالعملية السياسية وخاصة شرط وقف البناء الاستيطاني في كافة المناطق المحتلة وخاصة الضفة الغربية وفي المقدمة القدس المحتلة، واحترام إسرائيل للمرجعيات المتفق عليها للعملية التفاوضية.
وكانت الموافقة الإسرائيلية على الإفراج عن الأسرى التي أعطيت للجانب الأميركي مشروطة بعدم ذهاب الفلسطينيين إلى منظمات الأمم المتحدة طوال الفترة المحددة للمفاوضات أي التسعة شهور، ولم يكن هناك اي حديث عن موافقة فلسطينية على تمديد المفاوضات أو التوقيع على اتفاق إطار أو اي شيء من هذا القبيل.
التراجع الإسرائيلي عن الالتزام بالإفراج عن الأسرى مرة لأنهم يشترطون التزاماً فلسطينياً بتمديد المفاوضات لمدة عام إضافي لا يتم الذهاب خلاله إلى الأمم المتحدة، ومرة أخرى لأنهم ينكرون أنهم وافقوا على الإفراج عن أسرى الداخل باعتبارهم مواطنين إسرائيليين ولا يجوز للسلطة الفلسطينية المطالبة بالإفراج عنهم، يضع إسرائيل في مأزق شديد، فمثل هذه الخطوة من المفروض أن تقود إلى رد فعل فلسطيني فوري قد يكون وقف التفاوض مع إسرائيل والذهاب مباشرة إلى الأمم المتحدة، كما أنها ستدخل إسرائيل في أزمة مع الولايات المتحدة التي يقول بعض المسؤولين الإسرائيليين أنها من أعطت الفلسطينيين الوعد بالإفراج عن اسرى الداخل وكل من اعتقلوا قبل التوقيع على اتفاق أوسلو، بينما لم توافق إسرائيل على ذلك، وهذا من شأنه أن يفشل جهود واشنطن التي أصبحت معنية بتمديد المفاوضات ربما أكثر من إسرائيل.
هناك أغلبية في وزراء حكومة بنيامين نتنياهو يرفضون الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وهناك مسؤولون يهددون بالاستقالة مثل نائب وزير الأمن ( الدفاع) داني دانون الذي يطالب الوزراء بالانضمام إليه، ولكن لا يبدو أن الحكومة الإسرائيلية ستضحي بالمفاوضات وستغضب الإدارة الأميركية التي هي بطبيعة الحال غاضبة من السلوك الإسرائيلي الذي يستخف بالجهود الاميركية وبوزير الخارجية جون كيري المتهم بانه "مهووس" وبأشياء طالت حتى الرئيس باراك أوباما نفسه. ومعنى انتهاء المفاوضات خروج الولايات المتحدة من عملية الوساطة وربما سيقود إلى انسحاب كامل من التدخل بملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. وهذا معناه ترك إسرائيل في مواجهة المجتمع الدولي وتحقق مخاوف أوباما وما حذر إسرائيل منه في مقابلته الشهيرة مع الصحافي الأميركي جفري غولدنبرغ، حيث قال أن الولايات المتحدة لا يمكنها منع العزلة الدولية على إسرائيل التي سنضطر لمواجهة المجتمع الدولي إذا استمرت بسياسة الاستيطان والاحتلال. وإذا فعلت ذلك أي أفشلت المفاوضات وأحبطت جهود واشنطن المتعثرة أصلاً، قد تغض الإدارة الأميركية الطرف عن خطوات أوروبية محتملة ضد إسرائيل وقد تغمز لأوروبا بالضغط على إسرائيل كذلك لتلقين الحكومة الإسرائيلية درساً.
في كل الأحوال إذا قامت إسرائيل بتعطيل الإفراج عن الأسرى لأي سبب كان لا بد أن تقوم القيادة الفلسطينية والرئيس ابو مازن تحديداً بإبلاغ الأميركيين والإسرائيليين بوقف المفاوضات فوراً وعقد اجتماع سريع للمجلس المركزي والمؤسسات القيادية الأخرى للإعداد لإستراتيجية وخطة عمل جديدة لمواجهة الواقع الذي تقرضه إسرائيل بالرغم من أن هذا كان من المفروض أن يتم منذ زمن ووضع خطط بديلة في حال فشل المفاوضات، خاصة وأن المفاوضات لم تفض إلى اي نتيجة واستمرارها يمنح إسرائيل فرصة إضافية للمزيد من مشاريع الاستيطان والجرائم التي تزداد وتيرتها بشكل غير مسبوق. فمعدل البناء الاستيطاني زاد بنسبة 123 % خلال العام الماضي بينما بلغت الزيادة في مشاريع البناء في المناطق الإسرائيلية كلها 3%. وازداد عدد الشهداء الفلسطينيين في الفترة ما بعد استئناف المفاوضات عن 40 شهيداً قتل معظمهم بدم بارد وبدون أي مواجهة أو تهديد لحياة الإسرائيليين، وزادت الاعتقالات والمداهمات لمناطق السلطة الوطنية، وكان واضحاً أن إسرائيل تريد تدمير العملية السياسية دون أن تتحمل المسؤولية في ذلك من خلال دفع الفلسطينيين للعنف وللمربع الذي ترغب فيه .
وهناك فرق كبير بين توقف المفاوضات لذرائع إسرائيلية بالعنف الفلسطيني وبين توقفها لأسباب تتعلق بعد قيام إسرائيل بالالتزام بما وافقت عليه وتعهد به الأميركيون نيابة عنهم، ففي هذه الحالة تتحمل إسرائيل وحدها مسؤولية إفشال المفاوضات التي تواجه اصلاً عثرات جدية ومصاعب تساهم إسرائيل بها بشكل يومي، ومن خلال مطالب وشروط تعجيزية غير مقبولة فلسطينياً كشرط الاعتراف بإسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي.
والذكاء هو في فعل كل ما يمكن أن يؤدي إلى تفعيل العامل الدولي في الصراع وحشر إسرائيل في الزاوية وزيادة العزلة الدولية التي تزداد عليها اقتصاديا وسياسياً والتي بدأت بموضوع المستوطنات. وفي هذا السياق لا بد من تكامل الأدوار ما بين المجتمع المدني والمستوى السياسي والاستفادة من كل الطاقات الفلسطينية والعربية والدولية في كل ما يتعلق بمواجهة الاحتلال سياسياً ودبلوماسياً وعلى الأرض بعيداً عن العودة إلى مربع العنف الذي يفقدنا التأييد الدولي ويدخلنا في فوضى قاتلة تقضي على ما تبقى لنا.


