لا يفوت أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، أية فرصة لتأكيد فاشيته وعنصريته، وعاد هذه الأيام إلى أفكاره التي سبق وعرضها قبل أربع سنوات، مشيراً إلى أن حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يكمن في "تبادل أراض" وسكان بين إسرائيل ودولة فلسطين. في الآونة الأخيرة، حدد ليبرمان بشكل أكثر وضوحاً مقصده من هذا المقترح العنصري، بالقول إن الأمر لا ينطوي فقط، على تبادل اراض بقدر أنه يجب أن يتم وفقاً لفكرة تبادل سكان فلسطينيين من مناطق 1948، مقابل المستوطنين في الضفة المحتلة بما فيها القدس، ليس ذلك فحسب، بل إن الأمر يتعلق بنقل السكان مع مناطق سكنهم، وتحديداً في منطقة المثلث ووادي عارة، بما مجموعه أكثر من 300 ألف مواطن فلسطيني، يقول ليبرمان إن هذا المقترح يعتبر محاولة لتسهيل الأمر أمام جهود جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، كي تتكلل هذه الجهود بالنجاح في وصول قاطرة العملية التفاوضية إلى نهايتها.
لجأت وزارة الخارجية الإسرائيلية، بتكليف من ليبرمان، إلى إيجاد المسوّغات القانونية والأعراف التاريخية والسوابق، الدولية، للإشارة إلى أن مثل هذا المقترح لا يحمل أي مفاجأة، اللجنة التي فرغت من أعمالها أشارت في سياق تبريرها هذا المقترح الفاشي، إلى أنه قد تم بالفعل، تبادل للأراضي بين الحكومة المصرية وإسرائيل في العام 1950، حيث تم تبادل أراض على تخوم خط الهدنة في قطاع غزة وتحديداً في منطقة عبسان، وبموجب هذا الاتفاق تم تعديل ما كان يسمى خط وقف إطلاق النار، كذلك فإن اللجنة رأت أن هناك سابقة دولية تمثلت في تبادل أراض وسكان بعد الحرب العالمية الثانية بين اليونان وبلغاريا.
وتجاهلت لجنة ليبرمان القانونية هذه، أن المقترح ينطوي على تبادل أراض فلسطينية في كلا الحالتين، إحداهما اغتصبت عام 1948 والأخرى احتلت عام 1967، كما تجاهلت إجراء "شكليا" وهو أن الاتفاقات حول تبادل الأراضي والسكان التي تمت، جرت بين دولتين، إذ ما تزال فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة، أكثر من ذلك فإن هذا المقترح العنصري يتجاهل قرار الأمم المتحدة حول التقسيم رقم 181 لعام 1947، وللحفاظ على الهُويّة الإسرائيلية للمستوطنين، أشار المقترح الى احتفاظ السكان المنقولين "بهُويتهم الوطنية" وهكذا فإن هذا المقترح يحاول إغراء المواطنين الفلسطينيين المنقولين بهُوية فلسطينية ـ إسرائيلية مزدوجة مع الحق في التنقل.
خطورة هذا المقترح تكمن في أن الأطماع الإسرائيلية التي بدأت بتبادل أراض، والتوصل إلى اتفاق أولي أثناء المفاوضات مع حكومة اولمرت إلى تبادل أراض متساوية في الكيف والمساحة وبحدود 2 إلى 4 في المئة، ها هي إسرائيل تنتقل من مجرد تبادل محدود للأراضي، بحجة الأمن، إلى تبادل للأرض والسكان، وعلى كل حال فهذه ليست المرة الأولى التي ترى فيها الدولة العبرية أن إمكانية مثل هذا التبادل أصبحت أكثر واقعية، فبعد التوقيع على اتفاق أوسلو، أعربت إسرائيل عن أن هذا الاتفاق سيسمح بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، بعدما باتت لهم "سلطة" يعودون إليها، بل إن إسرائيل والولايات المتحدة، شكلتا مراكز أبحاث للتأكيد على أنه لم يعد لمنظمة الأونروا أية ضرورة، بعدما بات هناك وطن للاجئين الفلسطينيين والمقصود هنا السلطة الوطنية الفلسطينية المنبثقة عن اتفاق أوسلو.
إلاّ أن هذا المقترح واجه ولا يزال رفضاً قاطعاً من قبل كافة الأطراف، خاصة من الجانب الإسرائيلي، وعلى الأخص من قبل بعض وزراء حكومة الليكود، لأن هؤلاء في الأصل ضد العملية التفاوضية من حيث المبدأ، وهم ضد إبقاء المستوطنات أو أي جزء منها تحت السيادة الفلسطينية في ظل أي حل سلام قادم، وهم يعتبرون هذه المستوطنات جزءا من ارض إسرائيل التي لا يجب التنازل عنها بأي صورة من الصور، والبعض الآخر من وزراء حكومة نتنياهو، يرفضون هذا المقترح من واقع أنه يكشف للعالم كله مدى فاشية وعنصرية الدولة العبرية، خاصة وأن المقترح ينطوي على أبعاد عنصرية واضحة تتلازم مع دعوة إسرائيل إلى ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة، أي أن ترحيل الفلسطينيين المقيمين على أرضهم في دولة إسرائيل، هي محاولة جدية من قبل الدولة العبرية لتحقيق "النقاء اليهودي" الذي يرفض أي قوميات أو ديانات أخرى لها وجود في ظل هذه الدولة اليهودية!!
والواقع أن سياسة التطهير العرقي التي تبنتها إسرائيل بنجاح كبير لم تبدأ مع هذا المقترح ولن تنتهي به، إذ ان هذه السياسة لا تزال تمارس كسياسة يومية ضد المواطنين الفلسطينيين في مناطق 1948، خاصة في مدينة القدس المحتلة، من خلال إجراءات التهويد والتهجير للعرب وسد أفق الحياة والعيش أمامهم لدفعهم للتخلي عن مناطق سكنهم واللجوء إلى الهجرة، إلاّ أن هذا المقترح يعتبر الأكثر انكشافاً ووضوحاً عن غيره كونه يأتي في اطار سياسة معلنة، مع ذلك، فإن عدم واقعية هذا المقترح، والرفض الإسرائيلي الواسع لها، لن يمكن ليبرمان من تمرير هذا المشروع العنصري الفاشي، خاصة بعدما أعلنت كافة المؤسسات والأحزاب الوطنية العربية في اراضي عام 1948 رفضها القاطع له.
hanihabib1954@gmail.com


