لحظة حرجة من الاحتدام السياسي والوجودي مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، لحظة تمور بالتدخلات والضغوط المختلفة، وتستدعي مناعة سياسية ووطنية ومعنوية وتحتاج اكثر من اي وقت مضى لاستخراج وتجميع وتفعيل عناصر القوة الفلسطينية.
الجانب المعنوي النابع من الثقة بالذات وبقدرات الشعب وحركته الوطنية وبالرموز مسألة في غاية الاهمية.
فالتفوق المعنوي والاخلاقي يشكل رافعة كبرى للصمود وتحقيق الاهداف الوطنية، ويشكل عنصرا اساسيا في استقطاب الدعم والتأييد والتعاطف عربيا وعالميا.
قد لا يختلف كثيرون حول هذا المبدأ، غير ان ما يحدث الان يبعث على القلق والتشاؤم، وثمة حالة من الاحباط وهمود الهمة وفقدان الاتجاه.
لأول مرة يتكشف هذا النوع من الخلاف في البيت الفلسطيني في إطار الحركة السياسية التي تشهد انقساما خطرا، وفي إطار حركة فتح التنظيم المخضرم الاكبر الذي يتعرض لانزياحات واستقطابات مراكز قوى. الخلاف والانقسام والضعف دائما ما يتبدى في المنعطفات والازمات الكبيرة، والوضع المفكك حاليا هو حصيلة منطقية لتراكم عناصر السلب وسياسة الانتظار والنأي عن التدخل، وعدم معالجة الاختلال أولا بأول تحت اية ذريعة وسبب.
ما يهم اليوم هو وقف التدهور وعدم إضافة اي عناصر سلبية جديدة للازمة، وهذا لا يتم إلا بتدخل القوى والعناصر الحية الفلسطينية في كل مكان، ذلك ان ترك الازمة دون تدخلات سيقود الى غرق السفينة التي تحمل الجميع، وفي اقل تقدير سيؤدي الى انعكاسات سلبية تطال الوضع برمته.
ما حدث ويحدث يهم كل فلسطيني، يطيب للبعض انتظار أن تصل الامور الى الانهيار لأنهم فقدوا الامل بإنقاذ الوضع، ولأنهم يعتقدون أن أفضل مخرج للوضع الراهن هو انتظار الانهيار، مغفلين بديهية ان القوى والعناصر التي تعبئ الفراغ ستكون حصيلة تدخل الاحتلال وحلفائه في العالم وفي الاقليم من مواقع متطابقة ومتقاطعة.
البعض لا يتدخل بالمعنى الايجابي استنادا لمفهوم البديل، فإذا انهارت قوى سياسية متنفذه سيقود الانهيار تلقائيا الى صعود قوى متنفذه بديلة.
ويغفل هؤلاء حقيقة ان الانهيار والتفكك هو شيء مختلف عن حالة المد والجزر الصعود والهبوط.
المواقف السياسية هي خلفية الصراع الداخلي التي تكون احيانا ظاهرة للعيان وفي كثير من الاحيان غائبة أو ملتبسة، ما يؤكد ذلك ان الخلاف الداخلي الفلسطيني، بدأ على خلفية اعتقاد البعض أن الرئيس عرفات اهدر فرصة التوصل الى حل، وانه بات يشكل عقبة امام الحل الاميركي.
هذا الاعتقاد دفع الامور نحو محاولة استقطاب جديد في إطار الجهاز البيروقراطي والذي اقترن بخلق مراكز قوى جديدة.
غير ان البنية التنظيمية التاريخية لمنظمة التحرير وفصائلها وبخاصة تنظيم فتح حالت دون دفع الاستقطاب نحو القبول بالحلول الاسرائيلية الاميركية.
وكان كل عمل من داخل هذه المؤسسة وقاعدتها التنظيمية والجماهيرية يلزم اصحابه بالخطوط الوطنية المعتمدة من المؤسسة.
وقد استمدت الهيئات القيادية شرعيتها من التزامها بتلك الخطوط التي تحولت الى مرجعية ملزمة.
ورغم ان هذه الخطوط اعتمدت سقفا لها هو قرارات الشرعية الدولية إلا ان اتفاق أوسلو ونتائج المفاوضات بعده هبطت بالسقف بانتظار أن تحسم المؤسسة قبول أو رفض ذلك الموقف.
مقابل ذلك بدأ يتبلور اتجاه لديه الاستعداد للتكيف مع الشروط الاميركية التي لا تفعل اكثر من تزيين الحل الاسرائيلي، ولديه استعداد لاقامة نظام فلسطيني متحرر من التراث الوطني.
هذا الاتجاه حاول في البداية التحرر من المرجعية التنظيمية التي تستطيع كبحه أو الحد من انطلاقه عند اللزوم، واخذ يستعيض عنها بإقامة مركز قوى جديد، وشرع ببناء شبكة علاقات اقليمية ودولية من اجهزة استخبارية ورجال اعمال ومشاريع تجارية وصفقات، متجاوزا بذلك تراث فتح في الاستقلال النسبي عن الأنظمة وأجهزتها، وفي اعتماد المرجعية السياسية لأي عمل وتنسيق أمني بما في ذلك التنسيق الامني مع دولة الاحتلال بعد أوسلو، ذلك التنسيق المرفوض شعبيا وكان محط استياء ورفض كافة القوى له بما في ذلك حركة فتح.
إن الذهاب للأجهزة الاستخبارية بمعزل عن مرجعية سياسية متماسكة لها برنامجها المستقل سيحول اي طرف يلجأ الى ذلك الى لعبة بأيدي الاجهزة واجنداتها الخاصة.
وهناك نماذج فلسطينية عديدة تحولت الى ادوات للاجهزة التي ما فتئت ان تخلصت منها.
وينطلق هذا الاتجاه التبعي من مقولة: "إن المال يستطيع التغلب على العوائق ويصنع وقائع جديدة".
وبناء على توفير المال وخلق مصالح خاصة للافراد والوكلاء والناشطين، تكبر الظاهرة ويزيد النفوذ.
الاستقطاب إذا لا يكون على اساس سياسي ولا على اساس برنامج، فقد يتم خلط المواقف بتقديم خطاب راديكالي لفظي، ولا على اساس ديمقراطي بالانحياز للمأسسة عوضا عن التفرد والابوية.
عوضا عن ذلك يقدم هذا الاتجاه نموذجا فظا للابوية والتفرد والجهوية ويضيف الى التشوهات القائمة والقديمة تشوهات جديدة قاتلة.
التميز الوحيد هو توفير المال وتشغيله في بناء نظام سياسي أشد تبعية. ولكن الاهم من توفير المال هو مصادر المال، من اين لهؤلاء الاموال؟ لو افترضنا جدلا أن هؤلاء قدموا كشفا بكل ملكياتهم وايراداتهم القائمة والمحتملة منذ أن تولوا مناصب رسمية في العام 1994 وحتى آذار 2014، وقامت جهات الاختصاص بمقارنة ذلك بما يملكونه اليوم، علما ان هؤلاء من بيئة بسيطة الامكانيات ولا يوجد لديهم موارد مشروعة غير رواتبهم كفئة موظفين اولى، من اين لهم الملايين إذا ؟ قد يقول البعض هؤلاء ليسوا وحدهم من ينطبق عليهم من اين لهم الاموال، صحيح نحن امام ظاهرة الذين اثروا من خلال استخدام مراكزهم في السلطة والمنظمة والقيادة.
لا يمكن تبرير فساد بوجود فساد آخر، ولا يجوز الامتناع عن مساءلة ومحاسبة البعض تفاديا لمساءلة ومحاسبة آخرين، من المفترض ان لا يكون اي شخص فوق القانون مهما بلغت مرتبته.
لا يكفي إطلاق التهم، والمطلوب فتح الملفات من قبل قضاء مستقل وحيادي، فتح الملفات السياسية وكل ما يمس الوطنية الفلسطينية، فليس من حق اي مواطن او قيادي ابرام صفقات مع اجهزة امنية، ولا فتح مشاريع لا تخضع للرقابة، ولا شراء ذمم وتشويه بشر، ولا تلقي الاموال وتوظيفها في اجندات خارجية.
السؤال الذي على لسان كثيرين، لماذا السكوت طوال الوقت على اتهامات حول قضايا كبيرة ؟ السؤال هدفه الشروع بفتح الملفات فورا وتقديم كل المتهمين للقضاء ومحاكمتهم محاكمة عادلة.
Mohanned_t@yahoo.com


