نام الناس في غزة, كما استيقظوا, على زعيق. دعوات في المدارس والمساجد والشوارع. وثمة من يحث الموظفين الحكوميين للذهاب على عجل. وألغيت المحاضرات الأخيرة في الجامعات نهار ذلك اليوم: "استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم" . المواصلات مؤمنة!.
من أزقة فرعية خرجوا الى شوارع عريضة وساحات واسعة, يحملون رايات حزبية تتجاوز عددهم. يروحون ويغدون. خلقوا أزمة سير في بعض المناطق, فيما سيارات الدفع الرباعي تعربد في الشوارع , علّ أحدا يوقفها للذهاب. تروح نصف محملة وتعود فارغة ,والناس في واد آخر. حتى الذين وعدوا ببطاقات تموينية عزفوا عن اصحابها – كما قيل.
الناس في بيوتهم امنين إلا ما يعكر صفوهم عبر مكبرات الصوت تجوب الشوارع لا مجيب ولا مستجيب. لم يستطيعوا إقناع أحد آخر غير حركة الجهاد الإسلامي فحضر بعض قادتها وغابت عناصرها.
أرادوها مناسبة وحشدا يضاهي أو يشابه ما حدث يوم قالت " فتح" في نفس المكان. ولقد شبه لهم ما يمكن أن يكون, فما كانت ولا تكون .استجلبت كلمات منذ عصر "أحمد سعيد" ولغة الشعراء للايحاء بأن شيئا ما سيكون. قالوا: زحف هادر. وقال كبيرهم في المهرجان: "غزة خرجت عن بكرة أبيها". هاله بضعة آلاف يعرف أنهم حزبه والمنتفعون منه. فيما كان لغزة وأهلها شأن آخر يعنيهم.
كانت الحدود آمنة مطمئنة , فيما كان رئيس حكومة حماس الاستاذ إسماعيل هنية يقول عبر مكبرات الصوت في السرايا: "لا خيار لنا إلا خيار المقاومة.. وما تخفيه المقاومة أكبر بكثير مما يقدرون"- يقصد العدو الاسرائيلي – كلمات تريح النفس حتى لا نموت كالخراف إذا غامر أحد بخرق التهدئة. ثم بشرنا بما لم نعرف: "غزة اليوم ليست محاصرة بل محاصرة (بفتح الأولى وكسر الثانية). وقبل أن ينتهي المهرجان دعا الى وقف الحصار!!
قال :"خذوا كل المناصب والكراسي وابقوا لنا الوطن". كلمات رنانة تليق بشاعر. ولقد قالها شاعر فلسطين الراحل محمود درويش للاحتلال "خذوا الهواء وانصرفوا فلنا في الأرض ما نعمل.".
لفت انتباهي ما قاله رئيس حماس في غزة :" أن الخيار الوحيد لتغيير واقعنا إنهاء الانقسام وبناء الوحدة الوطنية والنظام السياسي عن طريق الانتخابات والشراكة السياسية". إذن, تعرفون معالم الطريق الصحيح إلى القوة الحقيقية وما يدعو إليه الله والرسول بحق. لكن ما نعرفه, أيضا, أن السيد عزام الأحمد مازال ينتظر موافقة للقدوم الى غزة ليوقع مع رئيس حكومة حماس اتفاق المصالحة الوطنية, كما أن مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ما زالت هي الأخرى على قائمة الانتظار للموافقة والتنفيذ.
انتهى المهرجان دون مواقف وطنية بحجم وحشية الاحتلال التي رسمها على جسد شيخ مقعد هو رئيس حماس ومؤسسها واستدعت ذكرى اغتياله مناسبة الخطاب والحشد لتوجه حماس رسائلها الى من يهمة الأمر, فجاءت رسائلها المحلية مخيبة للامال ودون المستوى المنتظر, إن لم تكن اعطت رسائل معاكسة, ليست بالتأكيد مرضية, وأقلها أن الحشد كان هزيلا لدرجة قد يدفع بحماس إلى عدم التفكير بالعودة للمصالحة الوطنية وإجراء الانتخابات مرة أخرى.
رئيس سابق لوكالة الأنباء "وفا"


