يصادف هذا الأسبوع مرور عشرين عاماً على رحيل الشهداء الستة في مخيم جباليا في الثامن والعشرين من آذار العام 1994 فيما كانت اتفاقية أوسلو تشد الرحال لتهبط في قطاع غزة وأريحا بعد ذلك بأيام مع وصول أولى قوافل الشرطة الفلسطينية. في ذلك النهار هاجمت قوة إسرائيلية في مفترق بات يعرف بعد ذلك باسم الشهداء الستة، ستة من خيرة قادة الانتفاضة الأولى بعد أن أنهوا اجتماعاً لهم وشاركوا في تأبين زميل لهم كان قد رحل قبل ذلك بعام، وقامت القوة الإسرائيلية وبعد اشتباك مع مجموعة الشبان بتصفيتهم بدم بارد، لتخرج بعد ذلك من مخيم جباليا كما من الكثير من الأماكن السكنية فيما عرف بعملية إعادة الانتشار التي نصت عليها اتفاقية أوسلو.
ضمت تلك المجموعة كلاً من احمد سالم أبو ابطيحان وجمال سليم عبد النبي وأنور محمد المقوسي وناهض محمد عودة وعبد الحكيم سعيد الشمالي ومجدي يوسف عبيد. وباستثناء الشمالي وعبيد فإن بقية الشهداء من مخيم جباليا حيث ارتقوا هناك إلى العلا. بالطبع ظل موقع الحادثة يشير بكثير من الألم إلى رحيل هؤلاء الأبطال الذين شهدت لهم الانتفاضة الأولى بصولات وجولات، كما شهدت لهم السجون الإسرائيلية بمواقف بطولية لا ينساها رفاق دربهم الطويل، ظل المكان شاهداً على الجريمة، كما ظل مُخلداً للبطولة حيث أطلق سكان المخيم على المفترق الذي يقع غرب المخيم اسم "دوار الشهداء الستة". ولأن الشهداء خالدون فإن ما يسمى على اسمهم خالد أيضاً، لذا ظل اسم المكان كذلك خالداً وشائعاً، حتى صار جزءاً من معالم المخيم.
كان هؤلاء من خيرة من قاد الانتفاضة الأولى على فترات مختلفة وانتهت حياتهم المليئة بالعمل والكفاح والعذاب، ربما، مع الأيام الأخيرة لهذه الانتفاضة، ولم ينعموا بمغانم السلطة التي جاءت بها الانتفاضة، ولم يقدر لهم أن يكونوا جزءاً من المشهد الأوسلوي بما عليه أكثر مما له. لكنهم ظلوا جزءاً عزيزاً من ذاكرة الناس وثقافتهم المحلية.
كان أحمد أبو ابطيحان، ربما من أبرز من عمل في قيادة الانتفاضة حيث خرج الفتى الذي شب في مخيم جباليا ليصبح قائداً ميدانياً ذا حدس وقدرات قيادية مذهلة أهلته لأن يكون قائداً حيث حل وموجهاً حيث نزل. حيث عمل على قيادة المجموعات المختلفة التابعة لحركة فتح خلال الانتفاضة كما عمل موجهاً عاماً داخل السجون الإسرائيلية. وكان الشاب الصغير الذي كنته قبل عشرين سنة قد تشرف بأنه تعلم القليل من مهارات وقدرات وعلوم احمد أبو ابطيحان في سجن النقب في قسم "ب". كان الاسم الحركي لأبي ابطيحان هو "الشايب" كما كان معروفاً باسم "أبو سالم"، وكان مدرسة حركية متنقلة، وعقلاً وقلباً يتقدان حباً لفلسطين. كان ذلك النوع من الرجال في الزمن الجميل الذين يبخل علينا الزمان بمثلهم. كما كان رفاق دربه الآخرون من الشهداء الذين رحلوا معه في ذلك اليوم من نهايات شهر آذار قبل عشرين عاماً رجالاً شهدت لهم شوارع وطرقات مخيم جباليا ومدينة غزة وأماكن القطاع معارك في مقارعة الاحتلال وفي إعلاء كلمة فلسطين بما أتوا في ذلك الوقت من إمكانيات، وما توفر لهم من وسائل. وكان لسان حالهم يقول سنحب فلسطين ما استطعنا إليها سبيلا.
ثمة نصب تذكاري بسيط في وسط الدوار يحمل في أعلاه صورة كبيرة عليها صور الشهداء الستة. أيضاً لم ينج هذا النصب من معاول الانقسام وشروره حيث تم استبدال صور الشهداء الستة الذين كانوا اكثر حظاً منا فلم يشهدوا نكبة الانقسام، ووضعت صورة شهداء هذا التنظيم وذاك. ورغم أن الشهداء كلهم أكرم منا جميعاً فإن محاولة الاعتداء على ذاكرة الناس كما على أحزانهم، كما على عشقهم الأبدي للبطولة ولتخليدها، لا يكون بإنزال صورهم عن أماكن التّذكر التي أنتجتها لهم الذاكرة الجمعية. وربما مع مرور عشرين عاماً، ثمة حاجة للدعوة لضرورة إعادة النصب التذكاري إلى سابق عهده حتى يتسق مع ذاكرة الناس ومع تفكيرهم الجمعي. فلا الصورة يمكن لها أن تغير المكان ولا أي قوة على وجه الأرض يمكن لها أن تمنح الأماكن أسماء ما لم تجد لها ممرا مضاءً بذكريات من نوع ما في عقول الناس. فالدوار احتفظ باسمه وظل دوار الشهداء الستة في نظر الناس، ولم يتغير بتغير الصور التذكارية على النصب. كما أن فاجعة الانقسام ورايته السوداء لا يمكن أن تغطي ذكرى هؤلاء الشهداء الأبطال، كما لا يمكن لها أن تقتل توق الناس الأصيل للوحدة والتوحد.
ربما الملاحظة الثانية في ذكرى الشهداء الستة تستوجب الحديث عن تاريخ الانتفاضة الأولى وضرورة تسجيله والحفاظ عليه سواء أكان هذا التاريخ مدروساً أكاديمياً وعلمياً او مسجلاً وفق روايات شفوية. وأظن أن ثمة حاجة ماسة لفعل ذلك لجملة من الأسباب تبدأ بالأهمية التي تتمتع بها الانتفاضة في التاريخ المعاصر كما في الذاكرة الجمعية وتنتهي بضرورة إعادة الاعتبار لفكر الانتفاضة السياسي البسيط الذي نجح في زلزلة استقرار منظومات الاحتلال ودعائمه.
أما الملاحظة الثالثة والمرتبطة بالسابقة فهي ضرورة تسجيل تاريخ العمل الكفاحي والنضالي داخل الأرض المحتلة خلال فترة الاحتلال قبل تأسيس السلطة الوطنية لأن ثمة شموعا كثيرة احترقت في الطريق وهي بحاجة لأن يشار لها بالبنان كما يشار لعنترة بن شداد، ولأن هناك الكثير الذي يمكن لنا أن نتعلمه ونعلمه لأولادنا عن العمل السري والعمل تحت الضغط والتهديد وسبل ابتداع ألف طريقة لمقارعة الاحتلال حتى لو انعدمت الإمكانيات، والأهم كيف يكون النضال دائماً دون البحث عن موقع. بعبارة أخرى إعادة الاعتبار للكثير من القيم التي فقدناها مع بريق الاستقرار المؤقت.
ربما بعد عشرين سنة على رحيل الشهداء الستة، وأيضاً من يتذكر عشرين سنة على تأسيس السلطة الوطنية نحن بحاجة للكثير من الوقفات مع النفس قبل كل شيء!!.


