في القلعة الحمراء في قلب دلهي التاريخية ويوم 18 آب 1947 رفع الشاب الموهوب بسم الله خان آلة الشيهاني، أو مزمار الموسيقى التقليدية، باتجاه السماء وعزف أمام الألوف المحتشدة ألحان الفخر باستقلال الهند. كان يعزف باسم الكون المبتهج بتحرر الهند التي كانت تاج الامبراطورية التي لم تغرب عنها الشمس.
كان بسم الله في أوائل الثلاثين من عمره ينفخ في الآلة بكل جذل، وحوله كبار قادة النضال ضد الكولونيالية البريطانية المديدة في شبه القارة الهندية، وينقل بأنغامه تلك اللحظة الفارقة إلى كل ملوك وإمراء وسلاطين وشعوب الهند في ألوف السنين التي مضت.
بعد ذلك اليوم التاريخي ظل بسم الله يعزف طيلة ستين عاماً، باعثا في تلك الآلة الموسيقية الضاربة في تاريخ البلد العريق، القيامة والحياة لتحتل قلب موسيقات الحداثة وآلاتها المعقدة في هند القرن العشرين وما تلاه.
ورث بسم الله آلة الشيهاني عن والده وعائلته حيث عزف أجداده تلك الموسيقى في بلاط أمراء ولايات الهند الشمالية.
اختلف الهنود كثيراً باختلاف إثنياتهم وطوائفهم الدينية وأحزابهم السياسية، لكنهم توحدوا عند ألحان هذه الموسيقى الغامضة.
عندما تصدح شيهاني بسم الله خان في أجوائهم تسكت خلافاتهم ويطرقون السمع لها ويدندنون معها.
في حضارة ضاربة في عوالم الروحيات والأسرار والغموض والآلهة الكثيرة كانت مهمة مزمار الموسيقار سهلة، بثقة وعلى مهل تطيح ببشاعات السياسة والانتهازية والفساد والمؤمرات وما ينتمي إلى كل ذلك.
وعندما توقفت رئتا الاستاذ بسم الله خان عن نسج هواء مدن الهند بأنغام آلته السحرية العام 2006، لم يختلف اثنان على ضرورة أن ترافقه تلك الآلة المخلصة إلى القبر.
حضنها في الممات كما حضنها في الحياة، لكن رموزها وموسيقاها بقيت خالدة وراءه، تزنرها كلمات لا تموت: "ينتهي العالم، لكن الموسيقى لا تنتهي".
وبسبب ذلك الجبروت الحريري الخفي الذي خلفه الأستاذ وموسيقاه يؤم قبره اليوم، على ضفاف نهر غانغا في فاراناسي المدينة المقدسة في شمال الهند، قادة الأحزاب السياسية المتنافسون، من اليمين إلى اليسار.
كلهم يود خطب مودة صاحب القبر، متأملا أن يحظى بدعم ملايين عشاقه. ليست حالة فريدة أن يتوسل السياسيون ومرشحو الانتخابات رموز الفن والموسيقى آملين في توسيع دوائر التأييد.
لكن ذلك لا يقلل من رهبة مشهد الخضوع الإرادي والإجباري للسياسة وأصحابها الباطشين أمام رهافة أنغام المزمار الراقد إلى جانب صاحبه في المقام المبجل.
ليس هذا فحسب، فالموسيقار الأسطورة يأتيه قادة الأحزاب الهندوسية والليبرالية والعلمانية والإسلامية وكل أصحاب الديانات، وهو متألق فوق الاختلافات، لا ينتسب لأي منها، يوحدها لما كان شاباً يتقافز وراء المزمار يوم الاستقلال في القلعة الحمراء، وظل يوحدها وهو يجتاز عتبة تسعينيات العمر حاصدا أرفع أوسمة التقدير.
في الشهر القادم تشهد الهند وهي أكبر ديموقراطية في العالم الانتخابات العامة، وهو حدث كوني إلى حد كبير.
ففي هذا البلد الذي تجاوز عدد سكانه المليار ومائة مليون سيتوجه أكثر من ثمانمائة مليون إنسان إلى صناديق الاقتراع، في عملية تستمر أكثر من شهر.
يحدث هذا في بلد شاسع المساحة ومهول السكان، وحيث إرادة مؤسسي الهند الحديثة زرعت طاقة متجددة في هذا البلد تحارب كل صنوف الفشل. فهنا تتجمع كل تناقضات البشر وتتوفر كل المسوغات والتبريرات من أجل القيام بأي شيء أو خيار ممكن التفكير فيه: الفقر المدقع يجب أن تتم معالجته قبل إحلال الديموقراطية، مثلا، أو نحتاج إلى دولة بوليسية كي تضبط هذا الانفلات الإثني والطائفي وتبقي الأمور تحت السيطرة، أو لا بد من سيطرة طائفة أو إثنية قوية معينة على البلد وإلا تفتت وتقسم إلى أجزاء، وغير ذلك كثير. لكن الحكاية الهندية الغريبة والمدهشة كتبت سرديتها الذاتية بنفسها.
نقضت مقولة ضرورة التمهيد للديموقراطية بتقوية الطبقة الوسطى ورفع مستويات المعيشة إلى حدود معقولة، وقوضت فكرة الدولة البوليسية التي انتشرت في الجوار الهندي (الصيني على وجه التحديد)، ثم كشفت هشاشة النظرية الخلدونية في ضرورة وجود عصبية ما تمثل العمود الفقري للدولة، خاصة في الزمن الحديث وفي بلدان التعدديات الاثنية والدينية والطائفية.
ربما ما كان للهند أن تؤول إلى ما آلت إليه اليوم إلا لما اشترطه تاريخها الغني والفريد وتجربتها العريضة والقديمة في التعددية والتعايش والتسامح وبناء الممالك وتداعيها.
وفيها أيضا وانصياعاً لشرطها التاريخي والتعددي نسج المسلمون خلال حقبة سلاطين المغول حالة فريدة من الحكم.
فإزاء عمق التنوع وتجذره لم يكن من خيار أمام سلالة تيمورلنك وقادته الذين اتسموا في جيلهم الأول بالقسوة والخشونة والبطش إلا أن يتحولوا إلى قادة يتصفون بالحلم والأناة وسعة الصدر.
فمع السلطان المؤسس بابر، في مطلع القرن السادس عشر، تأسست دولة قوية ومتماسكة وهي التي ترسخت في زمن ابنه همايون.
بيد أن أوجها وعظمتها الحقيقية كانت على أيدي حفيده السلطان جلال الدين أكبر الذي تخطت نجاحاته النطاق العسكري والجغرافي الأفقي الذي وسع به الإمبراطورية، إلى ما هو أهم وهو التجذر العمودي في بناء دولة ومجتمع يقومان على ما يقرب من مفهوم المواطنة، وبعيدا عن أية عصبية. أكبر شاه، الحاكم المسلم، انفتح على كل المكونات المجتمعية والطائفية والاثنية في الهند وعاملها سواسية وبعدل فشعر الجميع بأنهم ينتمون إلى "مجتمع ودولة" واحدة تمثلهم وتعدل بينهم.
ولأنه، وأباه وأجداده من قبله، تزوجوا من الطوائف كلها لترسيخ عمومية وشمولية ملكهم وعدم انحيازه لطائفة معينة فإن "المكون الهندي" في دمائهم ودماء أبنائهم ظل يكبر، ما أشعر السكان الأصليين بأن هؤلاء الحكام هم من صلبهم.
ضم جلال الدين أكبر إلى النخبة العليا من مستشاريه ووزرائه ودائرة صناع القرار في دولته هندوسا ومسلمين وبوذيين ولا دينيين وسيخا مؤكدا بالممارسة وليس فقط بالعبارة والكلمات حيادية الدولة تجاه الدين ورعايتها لهم جميعاً.
وبخلاف الفاتحين الأوائل من المسلمين فقد ألغى الجزية عن غير المسلمين وألغى الضرائب التي كان يفرضها بعض الحكام على حجيج الهندوس وغيرهم.
لقد أسس جلال الدين أكبر لمبدأ المواطنة والتعايش في الهند بحيث أصبح من المستحيل على هذا البلد الكبير وبشره المليوني أن يعيش من دون إقرار بالآخر، واعتراف به، وعدم الوقوع في أسر الطائفة والإثنية، بل تجاوز ذلك إلى أفق أكثر إنسانية ورحابة، تماما كما فعل بسم الله خان أيام حياته، وكما يفعل اليوم من قبره وممثلو اليمين الهندوسي من حزب بهاراتيا جاناتا يقفون إلى جانب ممثلي حزب المؤتمر وغيره من الأحزاب فوق شاهد قبره بصمت واحترام!
Email: Khaled.hroub@yahoo.com


