التوتر الذي يسود الضفة الغربية، وتتصاعد مظاهره، وتتنوع أشكاله لا يمكن، ولا يحق لأي فلسطيني أن يحتسبه على أنه تصعيد للمقاومة الشعبية السلمية أو غير السلمية للاحتلال، ذلك أنه ينتمي إلى ردود الفعل على أفعال إسرائيلية مدروسة، وهادفة.
خلال المفاوضات كثفت إسرائيل من عدواناتها الاستفزازية، عبر الاستيطان والإمعان في تهويد القدس وتهديد المقدسات الإسلامية والمسيحية، لم تنفع لوقفها، أو تخفيفها صرخات وشكاوى الفلسطينيين التي تذهب في واد الصراعات العربية العميق، وفي واد التواطؤ، والتجاهل الدولي الأكثر عمقاً. الأمر هنا لا يتصل فقط بإمعان إسرائيل في استغلال المفاوضات كغطاء لمواصلة مخططاتها العدوانية وأطماعها التوسعية، وإنما يستهدف إفراغ المفاوضات من مضامينها، وإفشال العملية السلمية، حتى لو أن هذه العملية ستكون على قياس المواقف والسياسات الأميركية التي تتفق مع مثيلتها الإسرائيلية بنسبة مرتفعة جداً. كل الوقت سعت إسرائيل إلى تصعيد عدواناتها مرة تجاه قطاع غزة، ودائماً تجاه الأراضي والحقوق في الضفة والقدس عبر الاستيطان والهدف شراء رد فعل فلسطيني يبرر لها تصعيد عدواناتها الاستفزازية إلى أن يضطر الفلسطيني لاتخاذ موقف إزاء المفاوضات يجعله المسؤول عن فشل المحاولات الأميركية. أمام المجتمع الدولي، بما يصعب على الفلسطينيين لاحقاً، تحقيق إنجازات هامة، حين يقررون التوجه إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
نعرف نحن الفلسطينيين، بناء على تجربة طويلة مع الاحتلال، ان إقدام إسرائيل على اغتيال قيادات وكوادر فلسطينية، يعني بأنها ستواصل التصعيد، إلى أن تصاب القيادات السياسية بالحرج أمام جماهيرها أو أن تضطر بعض الفصائل للرد، بهدف توفير الذرائع لارتكاب عدوان أوسع، تساعد الولايات المتحدة، وحلفاء إسرائيل الآخرين على مواصلة العزف على وتر الحق الإسرائيلي في الدفاع عن النفس.
الجريمة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية أول من أمس، في جنين وأدت إلى استشهاد ثلاثة كوادر، من ثلاثة فصائل مسلحة، هي سرايا القدس وشهداء الأقصى، والقسام، واندلعت على اثرها اشتباكات في العديد من مدن الضفة بما في ذلك القدس، هذه الجريمة مرتبطة بتوقيت دقيق، ولتحقيق أهداف محددة.
بعد لقاء الرئيس محمود عباس في واشنطن بالرئيس الأميركي باراك أوباما كان من المتوقع أن يعاود فريق وزير الخارجية جون كيري العمل مع الطرفين لاستثمار وتوظيف لقاءات أوباما، نتنياهو وعباس، كمحاولة أخيرة وضعيفة، للتوصل إلى اتفاق اطار، وكمحاولة جادة وقوية لتحقيق نجاح فيما يتعلق بضرورة تمديد المفاوضات.
إذا كانت الإدارة الأميركية تعلم بأن التوصل إلى اتفاق اطار لا ينطوي على أمل، فإن الطرف الفلسطيني، لا يجد مسوغاً لاتخاذ قرار بتمديد المفاوضات أشهراً أخرى في ظل الشروط التي رافقت المفاوضات الجارية منذ بداياتها.
تدرك الإدارة السياسية الإسرائيلية أن الفلسطينيين يحتاجون لما يبرر الموافقة على تمديد المفاوضات، لكنها تحاول تقليص الطلبات الفلسطينية إلى الصفر أو ما هو قريب من ذلك، لأن الموافقة على الشروط الفلسطينية من شأنها أن تخلق في إسرائيل معارضة قوية، ولأنها، أيضاً، تحرص على أن تبقى القيادة الفلسطينية تحت الضغط، ولقتل مشاعر التحدي أو ما تبقى لديهم منها.
إسرائيل تحاول ابتزاز الطرف الفلسطيني فيما يتعلق باستحقاق الإفراج عن الدفعة الرابعة والأخيرة من الأسرى، التي يفترض تنفيذها في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، من خلال ترحيلها، كجزء من شروط تمديد المفاوضات.
حين لم تنجح المحاولات الإسرائيلية في استفزاز القيادة الفلسطينية لاتخاذ ردود فعل إزاء ما تقوم به من عدوانات، وبمستوى يؤثر على المفاوضات تحولت إلى قطاع غزة، حيث صعّدت عدوانها، بأمل أن تتلقى الرد في الضفة، ولكنها حين فشلت مرة أخرى، أقدمت على جريمتها في الضفة. ليس صدفة، أن تستهدف إسرائيل ثلاثة كوادر من ثلاثة فصائل مقاومة. وذلك لضمان أن يبادر أي منها للقيام بردود ثأرية، فإن لم تنجح في استدراج رد من القسام، توقعته من سرايا القدس، وان لم تنجح توقعته من كتائب شهداء الأقصى، وهكذا. وفي الحقيقة، فإن إسرائيل تواصل توفير الظروف الموضوعية المناسبة، لتصعيد شعبي على الأقل، وتصعيد عسكري، ربما تقوم به فصائل معارضة أصلاً للمفاوضات، ويناسب حساباتها السياسية، أن تبادر إلى التصعيد، ولكن من قاعدة رد الفعل، حتى لا يبدو فعلها وكأنه يستهدف على نحو مباشر، الدخول إلى مربع إفشال المفاوضات وإحراج القيادة الفلسطينية، وتعميق الانقسامات القائمة أصلاً.
وكالعادة كان على الولايات المتحدة أن تتحرك لردع الاستفزازات الإسرائيلية ولإلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاق الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى في موعدها المحدد، غير أن الإدارة الأميركية لم تبد غضباً، ولم يظهر منها أو عنها ما يفيد الاستعداد لردع، وضبط السلوك الإسرائيلي.
على أن الإدارة الأميركية قد تتدخل، كما تدخلت في مرات سابقة لإقناع إسرائيل أو إرغامها على تنفيذ استحقاق الإفراج عن الأسرى، غير أنها على ما يبدو ستحاول توظيف السلوك الإسرائيلي، لتخفيف الشروط الفلسطينية من أجل تمديد المفاوضات، ولكنها في النهاية لا تستطيع التهرب من التزامها تجاه استحقاق الإفراج عن الأسرى.
الفلسطينيون لديهم ما يقولونه وما يفعلونه في حال امتنعت إسرائيل عن الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى، ففي هذه الحالة عليهم أن يظهروا صلابة في الرد، بأن يتحللوا من التزامهم بعدم التوجه إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها. أما فيما يتعلق بالبعد العسكري فإن القيادة الفلسطينية التي لا تتبنى مثل هذا النهج، بإمكانها أن تتعامل مع أي ردود فعل من جانب بعض الفصائل، على أنه رد فعل طبيعي ومنطقي على العدوان الإسرائيلي.
في مطلق الأحوال، فإن القيادة الفلسطينية عليها أن تنشغل في التحضير للقمة العربية القادمة في الكويت، بما يضمن توفير غطاء عربي سياسي ومالي، للسلطة، حتى لا تظل تحت رحمة العقوبات الأميركية، سواء كانت مالية أو سياسية بما يشمل بعض الدول العربية التي تلتزم الأجندة الأميركية.


