خبر : في نابلس، جنازتان لثلاثة شهداء! ...بقلم: ريما كتانة نزال

الأحد 23 مارس 2014 09:27 ص / بتوقيت القدس +2GMT



صُدم شهداء نابلس عندما أفلَت زمام المدينة من يدهم، وخروج الأمور عن سطوتهم المعنوية، وشعورهم بأنهم ليسوا الموضوع. لقد تعرف الشهداء على وضع شاذ تكرس خلال سبع سنوات، ولم تستطع نابلس أو كان خارجاً عن إرادتها الارتقاء الى رفعة اللحظة التي يستعيد بها الشهداء الثلاثة أسماءهم، والتحرر من صَلب الاحتلال رفاتهم على رقم أصم.
من نعوشهم، وبمحاجر عظامهم رأوا ماذا فعل الانقسام بمدينتهم، وشاهدوا ضياع حلمهم بزفة عرس لا تُنسى. لقد توقع الشهداء عودة دافئة للتربة المرويّة بوفائهم، وحلموا ببذخ نابلسي مقطَّر بسكر الكنافة، ووعدوا أنفسهم بزغاريد تتبادل صداها جبالها المتقابلة، وأن يقترب "جرزيم" من "عيبال" كعادتهما في مناسبات الشهادة لتبادل القبلات والتهاني وتظليل الشهداء ومواكبهم.
توقع الشهداء الثلاثة أن تكون الجنازة معبراً استثنائياً للحالة الانقسامية، مع احتفاظهم بوجهة نظرهم الخاصة، والتوحد على نبذ انقسام الجنازة إلى خندقين متقابلين، فمنذ استشهادهم، خرجوا من طباع البشر وانحيازاتهم الدنيوية، وارتقوا نحو السماء وطالت أعناقهم نحو القضية الوطنية وعلمها الواحد وبيارقها المتعددة، حيث يمتلكون أسرار الحياة والموت ومفاتيحهما بوضوح وشفافية.
الشهداء يتفهمون دقة اللحظة، لكنهم يتفهمون أكثر الخطوط الحمراء المحرَّم تخطيها، وامتطاء نعوشهم لتسعير الحالة الانقسامية، وتوظيفهم في خدمة الخطاب الدموي. لم يكن بمقدور عظام الشهداء التواقة الى لحظتها الوحيدة المتبقية وقف لعبة المساخر، وعجزوا عن الإمساك بتلابيب الانحدار الذاهب إلى القاع، في لحظة عاطفية استدرجت الأذى بهم وألحقت الضرر برسالتهم الموحدة، وهالهم تشتت زفَّتهم إلى حوريتهم الأبدية فلسطين.
تحاور الشهداء حوار النبلاء الذين تفاجؤوا بخسة الحالة، وتساءلوا عن ممكنات تغيير المشهد وقلب النفوس المتحفزة للشرور، جنازتان أو جنازة واحدة! وبأي جنازة يمضون! وهل لهم حرية اختيار مساربهم وهتافاتهم! واتفقوا انهم يعودون في الوقت الخطأ، وأمسكوا لسانهم عن القول انهم يتجهون نحو المكان الخطأ..
الشهيد "أحمد ياسر" نفى عن ذاته الاستقطاب قائلاً: على من أعتب إضاعة لحظتي الخاصة، ومن ألوم على هزّ أركان هويتنا الوطنية، ومن المسؤول عن الاعتداء على شهادتنا وخصوصية الشهيد؟ لقد سُلبت مني لحظة مخصصة لي، لقد حرمتني القبائل من وداع دافئ، أرقد فيه قرب أخي الذي سبقني شهيداً على نفس الدرب، ليس بيدي سوى الشكوى إلى الله..
وبينما كانت الدموع تتساقط من نعش الشهيد "محمد حموضة" قال: حبيبتي نابلس، لمَ فقدت ملامحها الخاصة، ولماذا اختلطت هوية الوطن الواحد بنابل الخلاف السياسي والمصلحي، وأُعلن رفضي وغربتي عن الاستقبال المفتعل، وأستغرب ضياع البوصلة عن اتجاهها، وأفضل أن أبقى عالقاً بين رقمي واسمي على رؤية هذا المشهد.
الشهيد "محمد الحنبلي" يفكر مليّا قبل أن يقول: نابلس التي أحبتني وخرجت عن بكرة أبيها يوم أطبق الاحتلال المنافذ أمامي، اليوم تنقسم على محبتي. أنا أستحق منكم أكثر، وجدير بتوحد الناس في عرسي كما توحدت في مأتمي، لقد حرمتموني من لحظتي المنتظرة..لا علاقة لي بهذا الانقسام، أعيدوني إلى رقمي، لقد حملت بندقيتي لفلسطين ومن أجلها استشهدت، وأريد أن أدفن بحضور مكوناتها، ولن يدفئني إلا التدثر بعلمها الوطني.
الخيارات كانت مغلقة أمام الشهداء، فقد باءت محاولاتهم السير في جنازة واحدة بالفشل. لم يعرفوا لمن يتوجهون بعتابهم، ولمن يوجهون لومهم على تفسخ النسيج واهترائه، لم يكن بين الشهداء أي خلاف، وتحرروا من حساسية متلازمة الألوان، فقد وحدهم لون الهدف، وقاربت المقبرة الرقمية عظامهم.
وعدت نابلس نفسها بالفرح، وعد لم تكن متأكدة منه كثيرا، لكنها وعدت نفسها بأن تتجمع كعادتها حول الشهداء، لترشهم بدفق عارم من العطر والحب. وعدت نفسها بثقة وإصرار أن تبقى مع بعضها، معوِّلة على طبيعتها المتسامحة، متكئة على شبكتها الاجتماعية والعائلية، لتكتشف أن الشبكة أصابها "فيروس" الانقسام الذي اخترق الحزب السياسي، فتعطلت مناعتها ضد الانحياز الفاقع والتشيّع الفاضح.
عين نابلس العتيقة والخبيرة، تكتشف تدريجياً جميع الأجواء المشحونة بشتى ملوِّثات التعصب السياسي، وتفحص مليّا الآثار السلبية للهرج والتعصب المتفشي فلسطينيا، والذي ينمو على وقع التحريض الإعلامي البائس، ويترعرع على وقع "ربيع العرب"، وتتأكد في جنازة الأرقام فشلها وفقدها القدرة على حماية براءة وطنيتها من كل شرر وخطر.
لقد أطلقت نابلس صافرة الانذار، رافضة تحويل ميدانها إلى ميدان "رابعة"، ورفضت بالمقابل الحلول الأمنية وقالت كلمتها: أن فلسطيننا تفقد تدريجيا شخصيتها المتفردة، حيث تحمل الفئوية مِعْولها لتدمير أسس العقد الاجتماعي بين الفلسطينيين، وإضاعة البوصلة الفطرية، في خضم المتناقضات والاستقطابات ومؤثراتها، فهلا صحونا..