خبر : ميدان الصراع القادم على غزة ....بقلم: حسين حجازي

السبت 22 مارس 2014 09:19 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ميدان الصراع القادم على غزة ....بقلم: حسين حجازي



أريد أن أُسلم جدلاً أو افتراضاً بأن رئيس الأركان الإسرائيلي يؤمن بما يقوله، من أن الحل الأخير الحل الإستراتيجي لغزة هو باجتياحها واحتلالها من جديد، وأقول أُسلم جدلاً ليس لأن الرجل لا يؤمن بما يقول ولكن لأنني أعتقد بأن إسرائيل تستطيع تدمير غزة عن بكرة أبيها، ولكنها لا تستطيع احتلال المدينة. فأنت تستطيع ان تحتل المدينة في المرة الأولى في غضون بضعة أيام، أما في المرة الثانية فانك سوف تدفع ثمناً باهظاً، وعليه فإن السؤال المطروح هنا في المرة الثانية: هل تجرؤ على دفع الثمن؟.
ولكني سوف أًسلم مرة أُخرى افتراضاً بأنهم سوف يجرؤون على دفع الثمن، الاحتلال الذي يوازي تدمير المدينة عن بكرة أبيها، فلمن يسلمون المدينة بعد هذا الخراب العظيم؟ وهنا هذه هي الاحتمالات المطروحة :
1-أن يسلموها لأنفسهم أي أن يعيدوا احتلالها لأجل أن يبقوا فيها، وهذا احتمال مستبعد لأنهم كانوا هنا وهدموا مستوطناتهم ورحلوا إلى غير عودة في العام 2005.
2- أن يسلموها للسلطة الفلسطينية أي الى الرئيس أبو مازن وهذا الاحتمال هو الآخر مستبعد، لأن ذلك يعني تقوية وضع الرجل التفاوضي كما الاستراتيجي. بما يعنيه ذلك من إغلاق ثغرة الانقسام والشقوق الفلسطينية بين "فتح" و"حماس"، التي يتخذونها ذريعة للتشكيك في الصلاحية التمثيلية لأبو مازن، باعتباره لا يمون على الضفة وغزة معا، وهم ليسوا في وارد إعطاء الرجل هذه الهدية، خصوصا بعد أن اثبت هو الآخر انه ليس اقل تمسكا بالخطوط الحمراء أو الثوابت الفلسطينية من عرفات او اقل قتالا على طاولة المفاوضات من سلفه. حتى باتوا يفكرون بالتخلص منه وإزاحته فكيف بهم يعطونه غزة ؟ وهم الذين اغمضوا أعينهم بوضوح خلال الاحتراب الداخلي في غزة لكي يكرس هذا الانقسام أو التفكك الداخلي بين الفلسطينيين، بين الضفة وغزة الى ابد الآبدين.
3- ان يعيدوا غزة مرة أخرى إلى الإدارة المصرية على طريقة التسليم والتسلم، "هذه بضاعتكم ردت إليكم". ولكن السؤال هنا هل مصر في وارد الموافقة على هذا التسليم؟ وماذا تفعل مصر بغزة وهي التي تحطم وتهدم الأنفاق وتغلق حتى معبر رفح، وكأنها تقول للغزيين ان رباطكم الوحيد مع إسرائيل باتجاه الشمال وليس الجنوب.
والواقع انه لطالما شكلت غزة العقدة المستعصية لإسرائيل، وفي العام 1987 فكر شمعون بيريس الذي كان آنذاك رئيسا لحكومة إسرائيل، في إعطائها الى الأردن على أن تكون بمثابة ميناء تجاري واقتصادي بديل عن قناة السويس، في إطار كنسورتيوم اقتصادي كحل نهائي للمشكلة الفلسطينية يقوم على قاعدة التقاسم الوظيفي مع الأردن، وهو الحل الذي روج له وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز العام 1986، بديلا عن التسوية السياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وهو التصور الذي تم سحبه من التداول باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987، وهكذا في العام 1993 لم يجد بيريس ورابين بديلا من إعطاء غزة ومعها أريحا إلى عرفات في اتفاقية أوسلو. فإلى من يعطون غزة ولم يعد بمقدورهم البقاء فيها، وليسوا راغبين في إعادة تسليمها الى خليفة عرفات أبو مازن؟ وبإعادة احتلالها يعني ذلك تقويض حكم "حماس" لها، فما هو الخيار أو الزبون المتبقي أمامهم ليعطوه هذه الغزة كمكافأة أو جائزة.
لقد أشرنا ذات مرة إلى أن العقدة الغزية كما مصير غزة لا يمكن فهمه من دون إدراك وفهم التحولات التي تحدث في إطار القرينة الجغرافية الأوسع، وهي هنا مصر كما سورية بالنسبة للبنان. فهل من مصادفة إذن بين الانخراط المصري الراهن في السجالات الفلسطينية الداخلية مع "حماس" و"فتح" على حد سواء، وبين الحديث الإسرائيلي في الإطار الاستراتيجي عن إعادة احتلال غزة باعتباره الحل الأخير او الوحيد؟ في الوقت الذي لا يلوح فيه هذا الحل لتقرير مصير غزة عبر مفاوضات متأزمة مع أبو مازن والسلطة الفلسطينية في رام الله، وينعكس هذا الاستعصاء التفاوضي إلى سجال من نوع آخر هذه المرة بين وزير الحرب الإسرائيلي موشي يعلون والحليف الأميركي نفسه، على خلفية امتعاض الإسرائيلي من وضع إدارة أوباما، ثقلها في محاولة التوصل الى حل نهائي مرة واحدة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، مع الرئيس محمود عباس وإسرائيل. وكيف لنا ان نفك لغز هذه الترابطات التي يبدو فيها كما لو أن تحديد مصير غزة هو المدخل البديل الذي يعيد رسم خارطة مستقبل جديدة أو وجهة السفر القادمة؟ وهل هذا السيناريو احتمال واقعي يوافقه الصواب؟
والجواب واضح. لعل قدر غزة مع مصر أنها كانت في كل مرة تتغير فيها العهود تلعب هذا الدور باعتبارها القاعدة التي تمثل منصة الإطلاق، وقد كان هذا الدور محوريا في استراتيجية جمال عبد الناصر القاضية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية او ما سمي بالكيان الفلسطيني. ولكن بينما حافظ خلفاء ناصر السادات ومبارك حتى مع بعض الخلافات في عهد السادات تحديدا مع عرفات، على مواصلة الاعتراف بشرعية المنظمة، لأنه لم يكن لديهما مشروع أو طموحات أيديولوجية أو إقليمية. إلا أننا في غضون السنوات الثلاث الأخيرة سوف نشهد تفاعلا مصرياً ربما يعيدنا إلى زمن الحقبة الناصرية، مع اختلاف التوجهات وهنا قد تتوضح المسألة. لاحظنا كيف ان الدور الغزي في استراتيجية محمد مرسي والإخوان كان كجزء من المشروع والمحور الإقليمي الكبير الإخواني او الإسلامي، الذي يضم الى جانب مصر وغزة كلا من قطر وتركيا، ويحظى هذا المحور بدعم الأميركيين وخوف الإسرائيليين. أما اليوم فهل بعد الانقلاب على الإخوان في مصر يجب استكمال ذلك بإعادة دوزنة وموضعة الدور الغزي في السياق الجديد..المشروع السيسي؟
ولكن السؤال هل يملك الرجل الجديد والقوي في مصر مشروعا يمكن ان نسميه بالسيسي؟ وما هو هذا المشروع؟ أي بما تتحدد عناصره في المسألة الفلسطينية؟ وإذا لم يكن ابو مازن ولا "حماس" رافعته الفلسطينية كما يبدو، فمن يكون رافعته المحلية؟
وإذا كان قد اتضح لكم الجواب الآن فما هي العلاقة بين الحديث الإسرائيلي عن الحرب على غزة وإعادة احتلالها، وبين كل هذا الكلام؟ والجواب أخيرا في كمية هذا الهراء والتخيلات الساذجة، لأناس وأشخاص يمارسون الالهيات في محاولة الالتفاف على الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، بأفكار وتصورات اقل ما يقال فيها انها تصدر عن هواة. ذلك انه في أساس كل مثل هذه التصورات عن دور غزي جديد، انتفاء إمكانية تغيير الوضع القائم على الأرض من الخارج بالحرب، والتجربة الماثلة هنا الحربان الأخيرتان عامي 2008 و2012. ثم ما هو التصور الجديد لدور غزي بعد هذا الخراب والدمار الشامل في أي حرب أُخرى محتملة؟ وهكذا فإن السيناريو الوحيد المطروح اليوم هو جر غزة او استدراجها إلى الاشتباك الإقليمي مع مصر، على طريقة لندع البرابرة يقتلون البرابرة، وهذا هو السيناريو الإسرائيلي الوحيد الذي يجب على "حماس" والرئيس أبو مازن أن يعملا سوياً على تفاديه، بخيار فلسطيني وحيد سوف يظل هو المصالحة بين "فتح" و"حماس".