في الحادي والعشرين من مارس/آذار عام 1968 جرت معركة الكرامة بمهاجمة إسرائيل منطقة "الكرامة" في الأغوار الأردنية، والتي أشترك فيها مقاتلو حركة فتح وقوات التحرير الشعبية، ووحدات من الجيش الأردني التي كانت موجودة في المنطقة. وشكلت هذه المعركة منعطفاً أساسياً في حركة المقاومة الفلسطينية، وكرست وجود الثورة الفلسطينية عربياً ودولياً، ومثلت ذروة الانتصارات العسكرية، التي كان لها تأثير معنوي كبير في الوطن العربي، ولدى الرأي العام العالمي.
وولدت معركة الكرامة البطولية أثاراً بعيدة المدى على الفكر السياسي الفلسطيني، وعلى الواقع الذي كانت تعيشه حركة المقاومة الفلسطينية التي تحولت من العمل السري إلى قوة جماهيرية علنية، وأخذت قواعد الثورة الفلسطينية في التمدد والاتساع، حيث أقيمت قواعد ومعسكرات جديدة في سوريا ولبنان، وأصبحت هاتان الساحتان، إضافةً إلى الساحة الأردنية، مجالاً حيوياً لانطلاق العمل الوطني والثوري الفلسطيني ضد إسرائيل. وقامت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد معركة الكرامة، بإجراء عدة اتصالات لوضع أفضل الأسس لتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد للمنظمة، وأسفرت الاتصالات عن تأليف لجنة تحضيرية تمثلت فيها جميع القوى والمنظمات الفلسطينية، وتولت هذه اللجنة تسمية مائة من أبناء فلسطين وممثلين عن جميع المنظمات الفلسطينية، كأعضاء في المجلس الوطني في الدورة الرابعة، حيث وجهت الدعوة لعقد هذا المجلس في القاهرة في الفترة 10- 17 تموز/ يوليو عام 1968م.
بدأت المنظمات الفدائية تهيئ نفسها للدخول في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وقد اشترطت حركة فتح لدخولها في أعمال الدورة الرابعة للمجلس الوطني أن يتم تعديل الميثاق القومي، وكذلك النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بما ينسجم مع تأكيد استقلالية النضال الفلسطيني ومؤسساته، وتحرير إرادة جيش التحرير الفلسطيني من التبعية للدول العربية وللقيادة العربية الموحدة، كما اشترطت أن يتم التحالف بين المنظمات والقوى الفلسطينية داخل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس جبهوي، والتأكيد على أن دخولها إلى المنظمة لا يعني بالضرورة قبولها بالطريقة التي أنشئت بها، بصفتها ممثلة للكيان الفلسطيني بقرارات مؤتمر القمة العربي؛ لأن ذلك يجعلها منظمة قومية، مرتبطة بالواقع العربي الرسمي؛ ما يعكس تناقضاته عليها، وأن تظل حركة فتح بما فيها قواتها "العاصفة"، محافظة على شخصيتها الاستقلالية، ومنطلقاتها الوطنية، والعمل على نقل الكفاح المسلح إلى مرحلة أعلى. فقد تألف المجلس الجديد من ممثلين عن كل من حركة فتح، وطلائع حرب التحرير الشعبية، وجبهة تحرير فلسطين الهيئة العاملة لدعم الثورة، وجبهة ثوار فلسطين، جبهة الشباب الثوري الفلسطيني، منظمة طلائع الفداء، وعشرة أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تضم شباب الثأر، وأبطال العودة، وجبهة التحرير الفلسطينية، عشرون ممثلاً لجيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية، واثنان وثلاثون عضواً من غير المنتمين إلى الفئات السابقة.
وشهدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، تعديلات بنيوية أساسية في منظمة التحرير الفلسطينية، كانت نتيجة وانعكاساً لتزايد نفوذ التنظيمات الفدائية على الصعيد الفلسطيني، واعتبرت نقطة تحول في مسار منظمة التحرير الفلسطينية، حيث شكلت هذه الدورة خطوة انتقالية في منظمات العمل الفدائي التي دخلت المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدأت بفرض حضورها وتأثيرها السياسي والتنظيمي والعسكري. ومن أبرز تلك التعديلات:
- فصل رئاسة المجلس الوطني عن رئاسة اللجنة التنفيذية، ومثل هذا القرار كان يعني الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
- تعديل الميثاق والنظام الأساسي، بحيث أصبح المجلس الوطني هو الذي يختار اللجنة التنفيذية ويمنحها الثقة أو يسحبها منها.
- رفض قرار (242) الصادر من قبل مجلس الأمن الدولي.
- المحافظة على الشخصية الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير والدور الموكل إليها.
- لما كان تحديد هدف النضال الفلسطيني وأسلوبه وإدارته شرطاً مهما لتوحيد هذا النضال في مسيرة واحدة وتحت قيادة واحدة فقد بحث المجلس في تحديد هذه المفاهيم وأقر ما يلي:
أولاً: الهدف: هو تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها وممارسة سيادة الشعب الفلسطيني عليها، وتأكيد الشخصية العربية الفلسطينية والوقوف في وجه أية محاولة لإذابتها أو الوصاية عليها.
ثانياً: الأسلوب: هو الكفاح المسلح والنضال لاسترداد الأرض والحقوق المغتصبة. وهذا يدعو إلى الإعلان بصراحة بأن هذا الكفاح يتجاوز ما اصطلح على تسميته "إزالة آثار العدوان".
ثالثاً: الأداة: إن أداة الثورة هي الجماهير العربية الفلسطينية داخل الأرض المحتلة أو خارجها، ملتحمة التحاماً عضوياً وثيقاً فيما بينها وملتفة حول ميثاق الثورة الفلسطينية ومعبرة عن إرادتها من خلال قيادة فلسطينية واحدة، تسندها وتشترك معها في نضال الجماهير العربية المؤمنة بأن ثورة الشعب العربي الفلسطيني هي التعبير الحي عن الإرادة العربية المتحررة، وتؤمن بأن تحرير فلسطين وجه من وجوه الثورة العالمية ضد الإمبريالية ومؤامراتها.
غير أنه إذا كان المجلس الوطني الفلسطيني الرابع يمثل إسهام هذه الفصائل في المنظمة رسمياً، إلا أنها كانت قد شاركت في أعمال المنظمة منذ قيامها، فقد أشارت مذكرة لحركة فتح موجهة إلى المؤتمر الثالث للملوك والرؤساء الذي انعقد في مدينة الدار البيضاء في المغرب في أيلول/ سبتمبر عام 1965م، ما يلي "أننا حاولنا منذ البدء أن نكون ايجابيين مع المنظمة واشتركنا في أجهزتها كما اشترك سائر المواطنين الفلسطينيين"، كما أن "حركة القوميين العرب" كانت قد صرحت بأنه "لم يعد سراً البادرة الايجابية التي قام بها الجهاز الفلسطيني في حركة القوميين العرب حين انخرط في صفوف المنظمة وانضوى تحت لوائها"، ويذكر الشقيري أن "حركة فتح" و"حركة القوميين العرب" تمثلت في المجالس الوطنية التي عقدت قبل حزيران/ يونيو عام 1967م، إلا أن هذا التمثيل كان يصر عليه أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن يكون شخصياً أكثر منه تمثيلاً للقوى الفلسطينية والقومية التي كانت حاضرة آنذاك.
إن النصر الفلسطيني في الكرامة زود المنظمات الفلسطينية، وخاصة حركة فتح، بقوة دفع نفيسة مكنتها من النمو والاتساع، ومن تسلم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية؛ فعقب هذه المعركة، هرع الشباب الفلسطيني للانتماء إلى الثورة الفلسطينية التي أخذ صيتها ينتشر في كل أنحاء العالم، وبدأ الشباب العربي والقوى السياسية العربية، وأحرار العالم، يجدون فيها ما يستحق كل الدعم، وكل التأييد، عوضاً عن اقتلاع قواعد الثورة من الأردن، كما كانت إسرائيل تريد وتسعى، انتشرت هذه القواعد وتعمق حضورها فيه، وتصاعدت فاعليتها ضد الاحتلال الإسرائيلي محاطةً بمؤازرة الشعبين الفلسطيني والأردني واستعداد أبنائهما للتضحية من أجل قضيتهم العادلة.
كان لمعركة الكرامة أثر كبير الفكر السياسي الفلسطيني، وعلى الصراع الإسرائيلي- العربي، وجسدت تلاحم الأردنيين والفلسطينيين، إضافة إلى الصدى الكبير الذي أحدثته على مستوى العالم، وأدت إلى شعور المنظمات الفلسطينية الفدائية بأن المقاتل الفلسطيني قادر على تحرير وطنه، وبالتالي بدأت مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني الذاهب نحو تحقيق أهدافه الإستراتيجية في التحرير، وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة ذات السيادة الكاملة، لذلك استطاع المجلس الوطني في دورته الرابعة، أن يحقق عدة نتائج إيجابية متمثلة في دخول المنظمات الفدائية واشتراكها في أعمال المجلس وموافقتها على مقرراته في جميع المجالات، وهي بذلك عملت على التقاء الأفكار والآراء المشتركة بين المنظمات الفدائية والتزمت بها، وأكد المجلس أن حقيقة القضية الفلسطينية هي أنها قضية تحرير، وأن الكفاح المسلح هو وحده طريق التحرير، وبأن أداة الثورة هي الجماهير العربية الفلسطينية، وإجماع المنظمات الفدائية ومنظمة التحرير الفلسطينية على هدف واحد وهو تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها وإقامة الدولة الفلسطينية عليها، وممارسة سيادة الشعب الفلسطيني عليها.
· باحث في الشئون الفلسطينية.


