خبر : غزة... تصعيد كرّس التهدئة ولم يكسرها ...ماجد عزام

الجمعة 21 مارس 2014 09:14 م / بتوقيت القدس +2GMT
غزة... تصعيد كرّس التهدئة ولم يكسرها ...ماجد عزام



كسر الصمت هذه هي التسمية التي أطلقت على جولة القتال الأخيرة في غزة. التسمية ليست مناسبة أو دقيقة كون الجولة هدفت أساساً إلى تكريس الصمت أو التهدئة التي سادت غزة منذ نهاية حرب 2012 وليس كسرها.


فالحركة الجهاد الإسلامي أنها أرادت كسر الصمت أو التهدئة ردّاً على اغتيال إسرائيل لثلاثة من عناصرها، الثلاثاء قبل الماضي، ورغم أن جيش الاحتلال قتل قبل ذلك في الضفة ثلاثة مواطنين فلسطينيين خلال أربعة وعشرين ساعة فقط، بل أن السيد أشرف القدرة مسؤول دائرة الصحة في غزة أعلن الخميس 13 شباط/فبراير أي قبل شهر تقريباً أن إسرائيل قتلت 8 مواطنين وأصابت 55 منذ بداية العام الحالي، كما أن المعلّق العسكري حسن الاطلاع عاموس هرئيل كتب في هآرتس الشهر الماضي، أيضاً إن قيادة المنطقة الجنوبية عادت إلى سياسة الاغتيالات التي كانت توقفت إثر حرب عامود السحاب، وأن الاغتيالات تطال أساساً تنظيمات سلفية أو مجموعات صغيرة منشقة عن هذا التنظيم الفلسطيني أو ذاك.


الحقيقة أن الجهاد تصرفت، كما تصرفت تنظيمات مقاومة أخرى في الماضي لجهة الردّ على إسرائيل، عندما تغتال أو تحاول اغتيال عناصرها فقط، أو التصرف وكأن التهدئة تعني توقف إسرائيل عن استهداف أبناء الفصائل المقاتلة، بينما استهدافها أو قتلها لمواطنين أو مدنيين فلسطينيين يمر مرور الكرام، ولا يؤدي إلى تصعيد كبير أو كسر للتهدئة، وهنا يبدو أن الفصائل تتصرف بمنطق عشائري أو قبلي ما يعنى خللاً كبيراً في أدائها وافتقاداً إلى مشروع وطني جامع ينظم ويحدد كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل أو حتى الردّ على انتهاكاتها بشكل مخطط منهجي ومدروس.


إلى ذلك جاء ردّ الجهاد كميّاً وليس نوعيّاً، حيث تم إطلاق قرابة مائة صاروخ محلي الصنع وقصير المدى على مناطق مفتوحة، ودون إيقاع أي أضرار جسيمة، لا مادية ولا بشرية؛ تل أبيب فهمت الرسالة أو الرسائل جيداً، خاصة في أبعادها الفلسطينية والإقليمية، وردت بقصف مواقع خالية، ولكن في مناطق مأهولة ما أوقع حالات هلع ورعب، خاصة لدى الأطفال إلا أنها فعلت ذلك بطريقة لا تسمح بتدحرج الأحداث أو الذهاب إلى تصعيد كبير أو حتى حرب جديدة كون الحفاظ على الوضع الراهن في غزة كان وما زال مصلحة إسرائيلية حتى إشعار آخر.


بعد عشرين ساعة تقريباً، وربما أقل وافقت الجهاد أثر وساطات مصرية بينها وبين إسرائيل على العودة إلى اتفاق التهدئة الذي تم توقيعه برعاية القاهرة نهاية العام 2012، رغم أن تل أبيب أفرغت هذا الاتفاق من محتواه، وبات مقتصراً على وقف الأعمال العدائية بين الجانبين أي وقف إسرائيل لاغتيالاتها بحق المقاتلين من الفصائل الموقعة، مقابل وقف هذه الأخيرة لعملياتها ضد جيش الاحتلال، بينما تم تجاوز أو نسخ البنود الأخرى المتعلقة بفتح المعابر، وحقّ الصيادين في الصيد بعمق 6 أميال بحرية بدلاً من 3، كما حقّ المزارعين بممارسة أعمالهم في المناطق الحدودية المتاخمة للأراضي المحتلة عام 48 والتي حوّلتها إسرائيل إلى ما يشبه الحزام الأمني، وبالتأكيد كان التصعيد الأخير فرصة لإجبار إسرائيل على الالتزام بتعهداتها غير أن هذا كان يقتضي جهداً وطنياً فلسطينياً جماعياً وتنسيق أفضل مع القاهرة وهو ما لم يتوفر للأسف.


جاءت العودة السريعة إلى اتفاق التهدئة، كما عرضنا آنفاً أثر وساطات مصرية بين الجهاد وإسرائيل، وبتجاوز فظّ وصارخ لحماس بوصفها السلطة القائمة في غزة، كما حركة المقاومة الأكبر فيها، ورغم أن السيد غازي حمد اكتفى بالقول أن هذا غير مبرر، إلا أن النيل من هيبة حماس وسلطتها حتى لو لم تتعمد الجهاد، ذلك سيكون له بالتأكيد أثر ملموس، وربما خطير على العلاقة بين الجانبين، كما على الوضع في غزة بشكل عام كون النيل من كرامة السلطة وهيبتها، كما جرى مع سلطة فتح معطوفاً على الحصار والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المزرية وغياب الحسم الديموقراطي أو المؤسسات الوطنية الراسخة القادرة على تنظيم الخلافات وحلّها بشكل سلمى، يؤدي بمرور الزمن إلى تراكم التوتر والتشنج واستسهال الحسم في الشارع عبر الاحتكام إلى السلاح والقوة الجبرية.


ربما لم تتعمد الجهاد استفزاز حماس أو النيل من هيبتها إلا أن الأطراف الأخرى فعلت ذلك عن سبق إصرار وترصد. فإسرائيل مثلاً حرصت على العودة السريعة للتهدئة مع الأولى وتجاهل الثانية تماماً لأحداث الوقيعة والفتنة بين الحركتين، بينما قال مسؤول عسكري لموقع المصدر - الأحد 16 آذار - إن سلطات الاحتلال تضع إضعاف حماس كهدف دائم أمامها. أما القاهرة فتجاهلت حماس ضمن سياق مصري مدعوم إقليمياً يهدف إلى معاقبة الحركة الإسلامية على انتمائها الفكري لجماعة الإخوان المسلمين والغريب أن هذا الهدف يقع أيضاً على رأس جدول أعمال المحور الداعم للنظام السوري، والراغب أيضاً في معاقبة حماس لرفضها دعم النظام في حربه المجنونة ضد شعبه الثائر.


كرّست جولة القتال الأخيرة، كما الجولات السابقة حقيقة أن التهدئة باتت ضرورة ومصلحة وطنية فلسطينية، علماً أن تلك الحقيقة ناتجة أساساً عن إدارة خاطئة للصراع وتراكمات تكتيكية أدت مع الأيام إلى تشكل واقع أصبح فيه التصعيد مصلحة للاحتلال، بينما التهدئة مصلحة للشعب الخاضع له وبما يتناقض مع كل التجارب التاريخية المماثلة.


في الأخير وباختصار، أكدت جولة تكريس التهدئة الافتقاد إلى مشروع وطنى فلسطيني جامع ومرجعية قيادية عليا شرعية منتخبة وكفؤة تسهر على تنفيذه وتدير الصراع على أساسه، ورغم الاقتناع بأن المقاومة في غزة باتت في حالة دفاعية فقط وغير قادرة على إدارة حرب استنزاف يومية عن بعد وعبر الصواريخ، وأن ساحة المقاومة الرئيسية هي الآن في الضفة، إلا أن الانقسام، وغياب المشروع والمرجعية القيادية حالا دون استخلاص العبر المناسبة من ذلك وبلورة آليات وأساليب نضالية تتماهى معها، علماً أن وجود السلطة لا يترك أمام الشعب الفلسطيني سوى خيار المقاومة الشعبية وأن هذا الوجود يقف أساساً خلف قاعدة التهدئة في غزة والهدوء في الضفة الغربية.
باحث فلسطيني