خبر : القرارات الصعبة التي يطلبها أوباما قطع في اللحم الحي ...طلال عوكل

الخميس 20 مارس 2014 08:02 ص / بتوقيت القدس +2GMT
القرارات الصعبة التي يطلبها أوباما قطع في اللحم الحي ...طلال عوكل



ليس من العسير على من يراقب المواقف والسياسات الاميركية تجاه الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي، ان يعرف ما الذي يقصده الرئيس باراك اوباما حين يطالب الرئيس محمود عباس بضرورة اتخاذ قرارات صعبة بشأن عملية السلام المتعثرة، الرئيس عباس قدم كل ما يمكن التساهل بشأنه لاثبات مصداقيته تجاه التوصل الى اتفاق سلام، ولانجاح الجهود الاميركية، لكنه بقي على الثوابت الاساسية التي تشير بوضوح الى الحقوق الفلسطينية المستندة الى قرارات الشرعية الدولية. وافق الرئيس عباس على مبدأ تبادلية الاراضي، وعلى وجود طرف ثالث لضمان الأمن في منطقة الاغوار وربما على الحدود مع الاردن، ووافق على منح اسرائيل خمس سنوات لانهاء احتلالها للاراضي الفلسطينية، وعلى تمديد المفاوضات طالما ان ثمة جدوى من ذلك.

ومبدئيا يوافق الفلسطينيون على ان تكون الدولة منزوعة السلاح، ووافق الرئيس على ما ورد في مبادرة السلام العربية بشأن ملف حق اللاجئين في العودة، ووافق على استئناف المفاوضات، بدون ان تقدم اسرائيل التزاماً قطعياً بتجميد الاستيطان، وقبل كل هذا وذاك كان الرئيس الراحل ياسر عرفات قد اعترف بحق اسرائيل في الوجود، بدون ان تعترف اسرائيل بدولة فلسطين، فما الذي بقي حتى يطلب الرئيس اوباما من الفلسطينيين تقديمه في اطار القرارات الصعبة، حتى ترضى اسرائيل او حتى يقتنع الاميركيون، بأن عليهم هم ان يتخذوا قرارات صعبة حتى يتمتعوا بخصائص الوسيط المحايد والنزيه.
بمراجعة اجندة المواقف الاميركية المعلنة والمعروفة للجميع، واستنادا اليها بما انها تشكل المنظومة السياسية الاميركية تجاه الصراع واطرافه، فإن الرئيس اوباما يقصد حين يطالب بقرارات صعبة، ان يتجرأ الفلسطينيون على حقوقهم الاساسية، اي ان يقتطعوا من لحمهم الحي، ويقبلوا بانصاف وارباع حقوق، او بنسف بعضها.
الاميركي يريد من القيادة الفلسطينية ان تتراخى ازاء موضوع القدس فتقبل بقدس رمزية، في احد احياء القدس الشرقية، والاميركي يريد التخلي تماما عن حق عودة اللاجئين وربما ينظر لممارسة هذا الحق على انه ينطوي على تهديد امني وديمغرافي استراتيجي لاسرائيل.
ويريد الاميركي مراعاة المطالب الامنية الاسرائيلية تجاه منطقة الغور والحدود والمعابر، وايضا ازاء الوقائع غير الشرعية وغير القانونية التي اقامتها اسرائيل من خلال مصادرة الارض، واستيطانها، ومن خلال جدار الفصل العنصري. ويريد الاميركي ايضا ان يحصر اتفاق التسوية في الضفة، ووضع قطاع غزة جانباً بدون ان يوضح ما الذي ستكون عليه الدولة الفلسطينية لاحقا وكيف ستكون العلاقة بين الضفة والقطاع كاقليمين متواصلين جغرافيا في اطار دولة قابلة للحياة.
باختصار القرارات الصعبة التي يطلبها الرئيس الاميركي، يمكن اختصارها بجملة واحدة لا تقبل التأويل، وهي ان على الفلسطينيين ان يتخذوا قراراً باعلان الاستسلام والخضوع، ونسف تاريخهم وحقوقهم من اساسها، فقط حتى يتمكنوا من العيش، والتنعم بالعطايا الاميركية التي ستغرق مناطق السلطة، بالاموال والتعويضات، والرفاه، والتنمية الاقتصادية الملتحقة بالاقتصاد الاسرائيلي. يعني ذلك اعادة تكييف واقع الاحتلال، وتقليص تكاليفه الى ما دون الحد الادنى.
وفي المقابل لا نعثر على جواب عند الاسرائيليين حين يطالبهم اوباما باتخاذ قرارات صعبة، فلا اسرائيل مستعدة لتجميد الاستيطان، او وقف العدوان، او الافراج عن الاسرى، او تغيير طبيعتها العدوانية والعنصرية في التعامل مع الفلسطينيين.
لم تطلب الادارة الاميركية ومن غير المتوقع ان تطلب من اسرائيل التنازل عن بعض شروطها واملاءاتها، التي لا تصنف على انها حقوقا، وفي اغلبيتها تشكل خروجا على الشرعية الدولية وتحديا لها.
فليدلنا الاميركي، وشريكه الاسرائيلي على قرار واحد ينطوي على حقوق واضحة تقرها الشرعية الدولية لاسرائيل، ويرفض الفلسطينيون الاعتراف بها.
الاميركي اذاً كما الاسرائيلي وهما شريكان وحليفان في اعمال منطق القوة، وميزان القوة، لانتزاع ما تبقى من حقوق للفلسطينيين مع ان حقوقهم تفيض كثيراً عما يطالبون به؟
الولايات المتحدة تحاول تسويق قصة يهودية الدولة، على انه تنازل محتمل فينبغي على الفلسطينيين ان يقابلوا ذلك بتنازلات من الوزن الثقيل ذاته، لذلك ربما تبالغ اسرائيل ومعها الولايات المتحدة في التشدد حول هذا الشرط الى ان ارتفع سعره، بينما كان في عقود سابقة بلا ثمن يذكر.
كيري الذي قال في كانون الاول الماضي، "ان علينا ان نجد السلام الذي يعترف باسرائيل كدولة يهودية"، يعود ويقول امام لجنة الخارجية في الكونغرس الاميركي، "اعتقد انه كان من الخطأ ان يقوم بعض الناس باثارة موضوع الاعتراف باسرائيل دولة يهودية، مرارا وتكرارا كمقرر حاسم لموقفهم تجاه امكانية قيام دولة والسلام". يا سلام على شطارة وزير خارجية الدولة الاعضم، الذي ساهمت بلاده في تسويق كذبة الدولة اليهودية حين تبنت الموقف الاسرائيلي، حتى اصبح قيدا على نتنياهو وحكومته، ثم يعود بدون ان يتخلى عن موقف بلاده في هذا الشأن، لكي يسوق هذه البضاعة الفاسدة، على الفلسطينيين للحصول على تنازلات من لحمهم الحي. يبدو للمتابع ان كيري يساهم بدون ان يقصد في افشال الجهد الذي يقوم به من اجل تحقيق تسوية، حتى اصبح يتسول نجاحاً واحداً يتمثل فقط بتمديد المفاوضات لأشهر أخرى.
الاسرائيليون موافقون على التمديد طالما سيكون قائماً على الشروط ذاتها التي ادت الى استئناف المفاوضات الجارية منذ تموز الماضي، ولكن على كيري ان يجد حلا للموقف الفلسطيني الذي يرفض ذلك بدون تغيير شروط وبيئة المفاوضات المحتملة بعد التاسع والعشرين من نيسان القادم، فهل سينجح؟

طلال عوكل