قصة سأبقى أرويها ما حييت وكانت لي درسا كبيرا في حياتي .
عندما نفذت حركة حماس عملية استشهادية استهدفت بعض المستوطنين الصهاينة في قطاع غزة ، وقع ضغط شديد على السلطة الفلسطينية وعلى الرئيس ياسر عرفات لاتخاذ إجراءات أمنية تفاديا لأي رد فعل إسرائيلي ، مما دفع بالرئيس ياسر عرفات - رحمه الله - بفرض الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله - ، هذا القرار لم استوعبه في حينه وكنت وزيرا للبريد والاتصالات في الحكومة الفلسطينية ، وذهبت بسيارتي لزيارة الشيخ احمد ياسين وكسر الإقامة الجبرية عنه .
دخلت على الشيخ احمد ياسين وجدته وحيدا ممددا على سريره ، خاصة وأنه يعاني من أمراض عديدة وشلل جزئي ، لم أتمالك نفسي من هول الحدث وطلبت منه أن يأمرني بأي شيء لأفعله من أجله . ولكنه سكت ولم يتكلم .
خرجت مسرعا ومتأثرا من صعوبة الوضع الخاص بالشيخ ، وتوجهت لمقابلة الرئيس ياسر عرفات وكان حينها في مكتبه في مدينة رام الله وفي الطريق كتبت استقالتي من الحكومة احتجاجا على هذا الموقف .
دخلت على الرئيس ابو عمار وشعرت وكـأنه كان ينتظرني . لم أتمالك نفسي فسقطت من عيني الدموع عندما نظرت في عينيه وشعرت كم هي حجم الضغوط ودقة وخطورة الواقع المحيط به ، وقلت له لا أستطيع تحمل قرار فرض الإقامة الجبرية على الشيخ احمد ياسين وأنت تعلم أنه شيخ مريض ولا يغادر أساسا منزله وتعلم مكانته عندي وأنت تدرك مكانتك عندي ، وشعرت مدى تأثر الرئيس الشديد بحديثي . سكت لحظات ثم طلب مني أن أعود لسؤال الشيخ احمد ياسين سؤالا واحدا محددا وهو ماذا يريد من ياسر عرفات ؟ ، وطلب مني أن أكون دقيقا في طرح السؤال ودقيقا في سماع الإجابة دون زيادة أو نقصان .
عدت أدراجي مسرعا الى منزل الشيخ احمد ياسين وأنا أشعر بنوع من الارتياح ، ونقلت له السؤال " ماذا تريد من الرئيس ياسر عرفات ؟ " ، صمت الشيخ فترة من الزمن ثم قال " كان الله في عونه ، كان الله في عونه ، كان الله في عونه " ثم سكت ولم يزد على ذلك أي كلمة ، كررت عليه السؤال " ماذا تريدني إبلاغه ؟ " ولكنه بقي صامتا .
وعندما قمت للخروج ناداني وقال " أنا احتاج للطبيب الخاص بي فلا يمنعه أحد ولا يعترضوا على حركة بناتي أو النساء " .
وعدت الى الرئيس ابو عمار وقبل أن أتكلم قال لي " أرجوك لا تدخل عواطفك في الموضوع وقل لي بالضبط ماذا قال لك الشيخ ؟ "، قلت له لم يزد على قوله " كان الله في عونك ، كان الله في عونك ، كان الله في عونك " وفقط . فأسند الرئيس نفسه على الكرسي وشعرت أنه شعر الراحة النفسية بداخله وقال " بارك الله فيه ، بارك الله فيه ، بارك الله فيه " ثم نقلت له طلبه بالسماح للطبيب وعدم التعرض للنساء فوافق فورا واصدر تعليماته بخصوص ذلك .
شعرت حينها وتعلمت درس كيف يفكر الكبار عند اشتداد الأزمات ، وكيف يتجاوزون عن الكثير من خصوصياتهم من أجل تحقيق مصلحة أكبر ، وكيف يقدرون بشكل موضوعي حقيقة الظروف التي يمرون بها .
رحمهما الله رحمة واسعة ، كانوا كبارا وكنا على عصرهم كبار .


