خبر : النهاية غير السعيدة للعملية السياسية ...مهند عبد الحميد

الثلاثاء 18 مارس 2014 09:02 ص / بتوقيت القدس +2GMT



تتكثف المطالب الإسرائيلية الآن في مطلب واحد هو اعتراف فلسطيني بيهودية الدولة، هذا المطلب الذي يشكل غطاء للأطماع الكولونيالية الإسرائيلية في التوسع والهيمنة، وفي استمرار السيطرة على شعب آخر ضمن صيغة جديدة من الفصل العنصري، وصولا الى تصفية القضية الفلسطينية وإعلان الانتصار الحاسم للمشروع الصهيوني.

الشهور الثمانية الماضية من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة لخصت أطول وأبشع احتلال في التاريخ المعاصر، احتلال ظل يقدم الخطاب الكولونيالي الممتلئ بالشروط التعسفية التي تتنكر للحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، ويتنكر للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، فضلا عن التهديد والوعيد بما في ذلك شطب الشركاء واستبدالهم.
وكان من اللافت للأنظار ان خطاب حكومة نتنياهو أثناء مفاوضات الأشهر الماضية اتسم بالغطرسة والرعونة، وذلك عندما أقرنت الحكومة وضع الشروط العدمية وإهانة الشعب الفلسطيني بمضاعفة الاستيطان وباقتحام باحات المسجد الأقصى، وبمضاعفة وتائر تهويد مدينة القدس وخنق مواطنيها، وبقتل الشبان بذرائع واهية.
لقد قدمت حكومة نتنياهو اشد أنواع الاستفزاز التي كانت اكثر من كافية لإفشال المفاوضات والعملية السياسية برمتها. وبذلت الإدارة الأميركية جهودا استثنائية لا لوقف الاستفزاز الإسرائيلي بل لإبقاء المفاوضات غير المباشرة تدور في الفراغ وبقاء الأوضاع على ما هي عليه، أي صناعة وقائع جديدة على الأرض بغطاء عملية سياسية فاشلة، وباستمرار الاحتكار الأميركي لهذه العملية دون السماح للأطراف الأخرى بالتدخل، ودون تمكين القيادة الفلسطينية من البحث عن خيارات أخرى بعد 20 عاما من الإخفاق وما ترتب عليه من نتائج وخيمة.
إن الأداء الإسرائيلي السياسي والعملياتي منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن، اكد وبما لا يدع مجالا للشك بأن العملية السياسية وما يترتب عليها من حلول تعتمد على بند واحد فقط لا غير هو ميزان القوى العسكري. وبهذا المعنى فإن القوة هي التي تقرر الحل السياسي. لغة الاستعمار القديم الذي اعتمد القوة ردحا من الزمن لكنه سرعان ما تراجع وبدأ ينظر الى عناصر أخرى في ميزان القوى. كالعامل السياسي وإرادة الشعوب والخسارة والربح (الاقتصاد) والقانون والاتفاقات والعلاقات الدولية وتوازن المصالح الى غير ذلك. إسرائيل تبرهن على انتمائها للاستعمار القديم - أواخر القرن التاسع عشر الى ما قبل الحرب العالمية الثانية - باعتمادها القوة كبند وحيد. لم يكن ممكنا التوفيق بين مقولة إسرائيل: "القوة عنصر حاسم ووحيد لفرض حل سياسي" والمقولة الفلسطينية: "السلام خيار استراتيجي وحيد والتفاوض أسلوب وحيد". كان الشيء المشترك بين أصحاب المقولتين هو اعتماد الوساطة الأميركية كطرف وحيد لإنجاز الحل. في ظل هكذا وضع فإن الإخفاق منطقي، وكما استحال التفاهم بين الاستعمار القديم والشعوب المستعّمَرَة على حل يمليه الاستعمار يستند الى غطرسة القوة، فإنه يستحيل تفاهم الشعب الفلسطيني مع الاستعمار الإسرائيلي على حل بالاستناد الى غطرسة القوة، وبالاعتماد على وساطة أميركية تحدثت عن إمكانية تراجع الاحتلال الإسرائيلي طوعا كما حدث أواسط القرن العشرين مع الاستعمار التقليدي، بيد أنها التزمت بالموقف الإسرائيلي الذي تجاهل كل التطور العالمي في حل الصراعات.
ليس هذا وحسب، بل إن الحكومة الإسرائيلية تتفاخر بمعايير العرق والدين والدم وتحاول انتزاع اعتراف فلسطيني بالأسس الإثنية المركزية المتخيلة للدولة "اليهودية"، وبميثة السيادة اليهودية التاريخية المزعومة على أرض فلسطين، وتحصيل حاصل التسليم بما ترتب على ذلك من وضع كولونيالي إسرائيلي بالنسخة الحصرية اليهودية. واعتبار كل ذلك بمثابة "عمل مقدس أمر به الله".
يهودية لا يوجد ما يسندها بعد أن قامت الأبحاث التاريخية والمكتشفات الأثرية والنظريات العصرية والأكاديميون الأمناء على العلم "بتفكيك أسس الكيان الإثني المغلق ودولة الشعب العرقي. ولم يعد احد يتحدث اليوم عن دولة إثنية دينية حصرية. يقول شلومو ساند في كتابه (اختراع الشعب اليهودي): "لم يكن في الماضي شعب يهودي واحد ينتمي الى أصول بيولوجية متجانسة، ولا يوجد اليوم أمة يهودية"، اليهودية كانت على الدوام مثل المسيحية والإسلام حضارة دينية مهمة وليست ثقافة شعبية قومية.
اما جدعون ليفي فيقول مستغربا: "كل الشعوب تتحدث عن دولة ديمقراطية لكل مواطنيها ما عدا إسرائيل التي ما تزال تفحص عن اصل الدم، وها هي تعود الى الغيتو بجدران الفصل المادية والنفسية والثقافية، وترفض الانفتاح على شعوب المنطقة". بل ان إسرائيل تعيد المنطقة الى صراع ديني تعصبي وتستدعي بناء أصوليات دينية ودول دينية كبديل للدول المدنية لكل مواطنيها.
إن تثبيت المؤسسة الإسرائيلية على مرحلة الاستعمار القديم، وعلى الصراع الديني والإثني والانغلاق على شعوب المنطقة والعودة الى مرحلة الغيتو، يفسر إخفاق الحل السياسي من جهة ويكشف عدم أهليتها للتوصل الى حل سياسي من الجهة الأخرى. ويجعل كل تواطؤ دولي مع هكذا سياسة رجعية عودة الى العصور الغابرة.
الإخفاق السياسي والمراوحة في المكان يعود أيضا للموقف الرسمي الفلسطيني الذي اعتمد صيغة السلام والمفاوضات كخيار استراتيجي وحيد، وتراجع في الوقت نفسه عن كل أشكال المقاومة غير العنفية. لم تحاول المؤسسة الفلسطينية بناء ميزان قوى في مختلف المجالات الاقتصادية والإدارية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، والتحالفات العربية والعالمية التي تمكنها من الضغط على المصالح وجعل الاحتلال قضية خاسرة. خلافا لذلك اعتمدت المؤسسة الفلسطينية على بند واحد هو التدخل الأميركي لإقناع دولة إسرائيل بالحل المنشود.
الخروج من هذه الدوامة، ومن حالة الانتظار القاتلة، ومن شبكة العلاقات والتحالفات التي قادت الى الإخفاق، هو التحدي الكبير الذي يواجه الشعب الفلسطيني. هذا يعني مراجعة ونقدا جريئا لكل المرحلة السابقة. وهذا يعني إعادة بناء لكل عناصر العملية السياسية، ولبنية المنظمة والسلطة والأحزاب. التغيير يبدأ من العامل الفلسطيني الذي بات مكبلا وغير قادر على انتزاع زمام المبادرة السياسية. فمن يبادر ومن يقرع الجرس؟

Mohanned_t@yahoo.com