كما الشَّجَر يَدُلُّ عليه ثماره، نَسْتَدِلُّ على الإنسان العربي ببعضٍ مِمَّا تتَّسِم به بُنْيَتِه السَّيْكولوجيَّة (وسلوكه) من صفات وخصائص؛ فعندما تُحاوِر شخصاً، وتَنْتَقِد وجهة نظره في أمْرٍ ما، فَتَثور، من ثمَّ، ثائرته، ويَخْرُج عن طوره، ويتصرَّف كالموتور، أو كالذي انْتُهِكَ عرضه، فاعْلَم، عندئذٍ، أنَّه عربي خالص، لا يميِّز "التطاول على كرامته" من "التطاول" على وجهة نظره، التي لو أمْعَن هو فيها النَّظر، متحلِّيَّاً بنزرٍ من الموضوعية، لاكتَشَف أنَّها ليست بِنْتاً له (أو لعقله) إلاَّ من طريق التَّبَنِّي؛ فهي إلى غيره (وإلى "الأجنبي" على الأرجح) تعود، في أصلها وجوهرها؛ وربَّما في جُلِّ "حجمها".
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه مُفْرِطاً مُفَرِّطاً في كل أمْرٍ؛ فـ"الحَبَّة" يراها (ويريد لكَ أنْ تراه معه) في حجم "قُبَّة"؛ و"القُبَّة" يراها "حَبَّة"؛ ومع ذلك، تراه يَفْخَر دائماً ويَعْتَز بانتمائه إلى "أُمَّةٍ وَسَط"، وبـ"الوسطية" و"الاعتدال" في كل شيء؛ أمَّا "الواقع" المُلوَّن بألوان "قوس قُزَح"، وبما يأتي به امتزاجها من ألوان، فلا يرى منه، أيْ من ألوانه، إلاَّ لونين اثنين لا غير: "الأبيض" و"الأسود"، الذي ليس بلونٍ، وإنْ وُصِفَ بأنَّه "سيِّد الألوان". إنَّه (في سلوكه، ومواقفه الواقعية والعملية) عَدُوٌّ لدود للمتنبِّي؛ ففي عينه تَعْظُم الصغائر، وتَصْغُر العظائم؛ فكيف له أنْ يَسْتَجيب، أو يُحْسِن الاستجابة، لتحدِّيات الحياة؟!
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه يتصالح مع كل واقِعٍ بدا متصالحاً مع "نَصٍّ" قَدَّسَه ووَثَّنَه وصَنَّمه، ويعادي كل واقِعٍ تَعَذَّر على "النَّص" أنْ يُكْسِبَه شيئاً من "الشَّرعية"؛ فـ"الواقع"، في ثقافته ومُعْتَقِده، لن يكون "واقعياً (شرعياً)" إلاَّ إذا اشْتُقَّ من "النَّص"، أو جاء بما يقيم الدليل على صواب "نَصٍّ"، انْتَزَعَهُ وأخْرَجَهُ من "التاريخ"، ليُدْخِلَهُ في "ملكوت الحقائق المُطْلَقَة".
إنَّه يَسْتَنْفِد جهده ووقته في "صناعة الكلام"، التي هي صناعة عربية عريقة، مُتَّخِذاً التدليس اللغوي طريقاً إلى إثبات شيء واحد لا غير هو أنْ لا جديد تحت الشمس؛ فـ"الجديد" إنَّما هو نفسه "القديم"، لكنَّه لَبِسَ لبوساً جديداً فحسب؛ و"القديم" هو الذي يتجدَّد في استمرار.
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَهُ شجرةً لا تَعْرِف من الانتماء إلاَّ إلى ما هو منها تحت التراب، أيْ الجذور؛ أمَّا انتماؤها إلى "الآفاق"، على رحبها واتِّساعها، فهو الشَّر المستطير؛ إنَّه لا ينحاز، ولا يتعصَّب، إلاَّ إلى ما لَمْ يَخْتَر، وما لَمْ يُرِدْ، كجِذْرِه في الدَّم والعِرْق؛ أمَّا ما اختاره، وأراده، هو بنفسه، من انتماء فكري (إذا ما اختار وأراد) فلا وزن له، ولا أهمية، عندما يُخْتَبَر، وزناً وأهميةً، في الشَّدائد والمَلمَّات؛ ففي "الزَّمن الهادئ" هو يساري أو ماركسي أو ليبرالي أو ديمقراطي أو علماني..؛ لكنه ما أنْ تَقَع الواقعة حتى يرتدَّ إلى البغيض والكريه من كل انتماء.
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَهُ يُجالِس ويُكلِّم وليَّ نِعْمَتِه، أو وليَّ أمْره، كما وَقَف موسى بين يديِّ مَنْ له ملكوت السماوات والأرض، وكلَّم هذا العزيز الجبَّار المتكبِّر المهيمِن..؛ وإذا ما رأيْتَهُ يُعامِل مرؤوسيه، أو مَنْ هُم أقل منزلةً ومكانةً منه، كما يُعامِل السيِّد أقنانه؛ فهو "الحَمَل الوديع" في حَضْرة "الأقوياء"، وهو "الأسد" على "الضُّعفاء" و"المُسْتَضْعَفين".


