رغم أن الحديث عن احتمال قيام إسرائيل بحرب برية واسعة، ثالثة على قطاع غزة قد تراجع كثيراً في الساعات الأخيرة بعد التوصل إلى "وقف إطلاق النار" بين حركة الجهاد الإسلامي وإسرائيل برعاية مصرية، إلاّ أن التخوف من أن أي تصعيد من أحد الجانبين، لسبب أو لآخر، من الممكن أن يعيد قصة الحرب هذه إلى الواجهة من جديد، إلاّ أن تجربة الأحداث التصعيدية الأخيرة، والخروقات للهدنة التي تم التوصل إليها قبل عامين، بين حركة حماس وإسرائيل برعاية مصرية قطرية تركية، تشير إلى أن كافة الأطراف ليست معنية في هذه المرحلة على الأقل بالوصول إلى حرب برية واسعة على قطاع غزة.
ومثلما كانت الحرب الإسرائيلية الثانية على قطاع غزة، تهدف فيما هدفت، إلى اختبار الموقف المصري في عهد حكم جماعة الإخوان المسلمين برئاسة مرسي، فإن التصعيد الإسرائيلي الأخير كان بمثابة اختبار لما قيل عن تزود حركة الجهاد الإسلامي بمزيد من الأسلحة النوعية، فقامت إسرائيل باغتيال ثلاثة من مسلحي حركة الجهاد، وكانت تدرك، كما يدرك كل فلسطيني، أن حركة الجهاد التي تفوت ذلك بدون رد قوي، إلاّ أن حركة الجهاد الإسلامي "أفلتت" من الاختبار بذكاء وفاعلية، فأطلقت موجات متكررة من الصواريخ المحلية التقليدية، قصيرة ومتوسطة المدى، على تخوم قطاع غزة مع فلسطين المحتلة، الأمر الذي "أزعج" الإسرائيليين في تلك المناطق من دون أن يسقط إسرائيلي واحد، هي بمثابة رسالة بأن حركة الجهاد، رغم الهدنة، لن تتوانى عن الرد لدى أي خرق إسرائيلي لهذه الهدنة.
وأظهرت حركة الجهاد الإسلامي، من خلال هذا الرد المحسوب بعناية، أنها صحيح لا تحكم قطاع غزة، لكنها وبقدر كبير "تتحكم" في الحكم فعلاً، ومآلات وتطورات أي موقف، للحركة تأثير كبير في تداعياته، بل ان موقفها حاسم إزاء العديد من هذه المواقف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصراع مع العدو الإسرائيلي.
حركة الجهاد "تتحكم" فعلاً، وقد تجاوب الجانب المصري مع هذه المعادلة عندما تدخل متوسطاً للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة الجهاد وإسرائيل، متجاوزاً الفصيل الحاكم لغزة، حركة حماس، التي ربما كانت تنتظر استثمار هذه الخروقات، لكي تعيد اتصالها الأمني مع النظام المصري، علماً أن الاتصالات ذات الطبيعة الأمنية لم تتوقف، لكن هذه المرة، تم القفز عنها بشكل عبرت عنه الحركة بامتعاض كبير، حسب تصريحات بعض قيادييها.
إسرائيل كذلك، اخترقت الهدنة بشكل محسوب جداً، قامت بضربات جوية شملت كل مناطق قطاع غزة، ولكن من دون سقوط أي شهيد، وكانت إسرائيل تعلم تماماً وككل مرة تحدث فيها مثل هذه الأحداث والخروقات، أن المواقع العسكرية والأمنية يتم إخلاؤها فور بدء أي تصعيد، لكن الضربات الإسرائيلية كانت ذات طبيعة انتقامية من ناحية وموجهة إلى الوضع السياسي والأمني الداخلي، أكثر من أن يقصد منه التصعيد حتى حافة الهاوية، فهي ليست في وارد الإقدام على حرب برية واسعة، بل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من خلال الرد بإطلاق النيران!!
لكن الإسرائيليين لا يعتبرون الرد من قبل الجهاد الإسلامي، مجرد انتقام لسقوط ثلاثة شهداء من مقاتليها، بل يفسرون الأمر وكأنه مرتبط بتطورات تدخل طهران في إطارها.
وحسب هذه التفسيرات، فإن "الجهاد" المرتبطة تمويلياً وتسليحياً بإيران، باتت في موقف حرج نتيجة للحرج الذي أصاب الإيرانيين بعد إمساك إسرائيل بسفينة "كلوس ـ سي" محملة بالأسلحة، قيل إنها من إيران لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، في وقت صدرت فيه تصريحات لبعض قادة حماس، من أن العلاقات بين الحركة وطهران عادت إلى طبيعتها قبل القطيعة التي نجمت عن الموقف الذي أعلنته حركة حماس مع الثورة على النظام السوري، وحسب التفسيرات الإسرائيلية، فإن حركة الجهاد لا تنوي أن تتقاسم الدعم المالي والتسليحي مع حركة حماس، فأثبتت من خلال ردها على الخروقات الإسرائيلية، أنها الرقم الذي يمكن التعويل عليه.
لا نعتقد أن التفسيرات الإسرائيلية هذه، تلقي الضوء على طبيعة الموقف التقليدي بالرد من قبل حركة الجهاد الإسلامي، مع ذلك يمكن القول إن المعادلة التي باتت تتحكم في الخروقات والرد عليها، هي تلك التي نشأت بفضل معرفة كل الأطراف بحقيقة أن جميعها ليست في وارد توسيع إطار التصعيد إلى درجة لا يمكن معه عدم الانزلاق إلى حرب إسرائيلية برية واسعة، مع استمرار الاختبار المتبادل حول نوايا كافة الأطراف، حركة الجهاد التي أطلقت زخات صاروخية هي الأكبر والأكثر منذ الحرب الإسرائيلية الثانية، كان بإمكانها استخدام صواريخ أكثر تأثيراً وتضرب العمق الإسرائيلي، لكنها أدركت أن هناك اختباراً إسرائيلياً لا يجب السقوط في فخه، وإسرائيل عمدت إلى عدم التصعيد بسقوط المزيد من الشهداء، هذه هي المعادلة التي بات الجميع على علم بها، ويأخذها بالاعتبار، سواءً عند اختراق الهدنة أو عند الرد على هذه الخروقات!!
hanihabib1954@gmail.com


