خبر : أداروا المعركة وفق نظرية صن تزو ولكن الحساب المؤجل مع "حماس" ..بقلم: حسين حجازي

السبت 15 مارس 2014 09:41 ص / بتوقيت القدس +2GMT
أداروا المعركة وفق نظرية صن تزو ولكن الحساب المؤجل مع "حماس" ..بقلم: حسين حجازي



في أقل من ساعتين كانت الضربة الصاروخية التي قامت بها "الجهاد الإسلامي" قد انتهت، نحو 130 صاروخاً دفعة واحدة وعاد الشباب الى بيوتهم بعد أن تحقق الهدف من العملية بكسر الصمت. 

لم تتجاوز في المدى ثمانية كيلو مترات على الغلاف المحيط بغزة، وكما لو ان الإحداثيات حسبت بالسنتمترات وليس حتى بالأمتار، لم يكن الهدف كما اتضح لاحقا إيقاع أي إصابات في صفوف العدو، وفي المساء ردت إسرائيل التي بدا عليها وكأنها بوغتت بكثافة النيران التي أطلقت، ردت التحية على "الجهاد الإسلامي" وغزة بمثلها، اذ على مدى اتساع نطاق الغارات الـ 29 التي قامت بها الطائرات الإسرائيلية، سوف يتضح لاحقاً ان الهدف كان أيضا عدم التسبب بايقاع أي إصابات في صفوف الفلسطينيين، لئلا يستدعي ذلك صعود الفلسطينيين درجة أُخرى على السلم في ردهم التالي.


وهكذا بدا لحين كما لو ان ما جرى هو أشبه بشخصين غريمين بينهم عداوة، ولكن يخشى كل منهما الآخر، التقيا مصادفةً وجهاً لوجه في الطريق فاشهر كلاهما مسدسه في وجه الآخر، ولكنهما بدلاً من ان يطلقا النار اختار كلٌ منهما التراجع خطوات الى الوراء ليختفيا في أقرب زقاق جانبي، دون ان يقر أي منهما بأنه هزم أمام الآخر.


ولكن في التحليل الإستراتيجي ماذا يمكن ان نطلق على هذا النوع من الاشتباك بقوة النيران السلبية أي بتحاشي القتال فعلياً، ان لم يكن توازن الردع؟. واذا كان توازن الردع هذا ليس انعكاساً حقيقيا لتوازن القوى المادي في الواقع أي على الأرض، بحساب وسائط القوة التي يملكها الطرفان وإنما هناك اختلال واضح وعدم تناسب في هذا التوازن بين الطرفين، فمن يكون عندئذ الطرف الذي حقق النصر او الفوز في هذه المعركة؟ والجواب واضح انه الطرف الأضعف على الأرض.


هذه جولة حربية، اشتباك آخر جرى من الناحية العملية وفق نظرية معلم الحرب الصيني (صن تزو) الذي عاش قبل خمسمائة عام قبل الميلاد، وأولى أهمية حاسمة للذكاء في طريقة الطرف الضعيف في استعمال القوة المحدودة التي يملكها على حساب توازن القوى الحقيقي أو المادي على الأرض، هنا قد ينتصر القادة المهرة في مئة معركة حربية من دون قتال، كما ينتصر كل فطين يتربص بعدو غبي، وهم هنا الفلسطينيون الغزيون الضعفاء على اسرائيل.


لكن هل بلغنا عند هذا المنحنى ذروة النهايات الأخيرة في هذه السلسلة المتصلة حلقاتها فيما يمكن اعتبارها المعركة الغزية؟، والتي بدأت كافتتاحية دامية في العام 2008 ثم في العام 2012 كجولة أقل تطاولاً، لتبلغ أخيرا ذروة المنحنى في مواجهة شبه نظيفة غير دامية كاشتباك أبيض، ولكن لتسفر هذه الجولة الأخيرة عن تثبيت الخطوط الحمراء التي تم التفاهم عليها العام 2012، كخطوط على الرمال يمكن الانقلاب عليها مع الانقلاب على الشريك المصري، الذي كان دوره حاسماً في وضعها أو رسمها، واليوم حان الوقت لإعادة تثبيتها هذه المرة على اللوحة العامة للعلامات على الحائط، ام انه من المبكر، أو بالأحرى من المضلل وخداع النفس التوصل الى مثل هذا الاستنتاج، اذا كان من غير الممكن التيقن بعد من ان إسرائيل يمكنها ان تسلم بهذه النتيجة في سجالها المتواصل مع غزة.


والواقع ان الوجه الآخر في مقاربة ما حدث ربما يحيلنا الى نظرية فرويد عالم النفس، عن العملية التي في حقيقة الأمر لا تتم بين اثنين وإنما هناك دوما أربعة أشخاص مشاركين فيها، وهؤلاء الأربعة لاعبين المشاركين فعلياً فيما جرى هم إلى جانب إسرائيل و"الجهاد الإسلامي" كلٌ من مصر و"حماس"، وان اللعبة الحقيقية هي بين هذين اللاعبين الأخيرين المستترين أي مصر و "حماس"، وان هذا الإدراك هو الذي سوف ينتج لنا تفسير ما جرى على وجه التحديد او الخصوص، ولماذا اتخذت هذه الجولة الأخيرة هذا الطابع المحدود الذي بدا وكأنه على قدر من التنسيق، كما لو ان يداً خفية هي التي قامت بتوزيع الأدوار فيما يشبه مناورةً تمثيلية تحاكي معركة حقيقية تحبس الأنفاس ولكن ليست بمعركة حقيقية.
لعلكم تذكرون هنا السبت الماضي أننا أشرنا إلى خيار "حماس" الأخير في مواجهة الضغوط عليها بالذهاب الى تصعيد عسكري مع إسرائيل، لكن ما حدث ان "حماس" أعطت الضوء الأخضر لـ "الجهاد" بالتصعيد واكتفت بالوقوف وراء الستارة، وكانت هذه مناورة بارعة من جانب "حماس"، لعب ورقة "الجهاد" وان تبقى هي كاحتياطي استراتيجي تمارس التهديد المباشر لإسرائيل في حال وسعت إسرائيل من ردها، الى هنا نجحت "حماس" في لعبة توزيع الأدوار، لكن بينما انتظرت "حماس" ان يتصل بها الجانب المصري باعتبارها هي اللاعب الرئيسي في غزة، فإن المصريين الذين بادروا من أنفسهم هذه المرة بإجراء الاتصالات، عملوا على تجاهل "حماس" والاتفاق مع إسرائيل و"الجهاد الإسلامي" على وقف إطلاق النار أو تثبيت التهدئة. وهكذا بدلا من ان تظهر "الجهاد" وكأنها حصان "حماس"، قال المصريون لماذا نعطي الرصيد لـ "حماس" الإخوانية اذا كان يمكن الرهان على فرس "الجهاد" لمزيد من فرض العزلة على "حماس" ولو على المستوى المعنوي باعتبار هذا النصر لـ "الجهاد" وليس لـ "حماس"؟.


وهكذا كرماً للنظام السياسي الجديد في مصر لم تعترض إسرائيل ليبدو كما لو ان الجميع خرج راضياً ولكن مع إضمار الحساب الحقيقي والمؤجل من قبل إسرائيل وربما مصر لاحقاً في مناسبة أُخرى مع "حماس" الخصم المشترك لإسرائيل ومصر على حد سواء.
لكن ومرة أُخرى هل هذا التصور واقعي أو صحيح؟ والجواب هو عند "الجهاد الإسلامي" التي قال المتحدثون باسمها إن هذه التخرصات ليست إلا من قبيل خيال مريض لبعض الأطراف التي تحاول الالتفاف على تماسك ووحدة المقاومة، واتفاقها المشترك على أي خطوة او مبادرة يقدم عليها احد الفصائل في مسعى لتفكيك هذا التلاحم والتسلل ما بين الشقوق بعد اصطناع هذه الشقوق، وأرى شخصياً هنا أن أداء المتحدثين السياسيين والعسكريين باسم "الجهاد الإسلامي" لم يكن أقل في مستواه عن أداء الذراع العسكرية للحركة في هذه المعركة، اذ حرص الجميع هنا على إيعاز الفضل فيما تحقق لهذا التوافق الفصائلي الفلسطيني ككل دون استثناء، لعب "الجهاد" الدور الرئيسي في العملية باسم الجميع، وهذا لم يحدث هذه المرة فقط وإنما في مواجهات سابقة كان توزيع الأدوار فيها سبباً للنجاح، اذا كانت المقاومة بلغت من النضوج والذكاء والحنكة، بحيث تعرف ليس متى تقاتل ولا تستدرج للقتال ولكن هذه الحكمة التكتيكية البارعة متى تقاتل بكل الفريق القومي ومتى تقاتل بأحد الفرق المحلية، وإذا كانت نبرة الصوت الهادئة ولكن الأكثر ثقة بالنفس من أي وقت سابق، فإن ما جرى في الأيام الأخيرة يعطي انطباعا واضحاً ان المقاومة في غزة تملك القدرة لترجمة ما تقوله إلى واقع أكثر من أي وقت مضى.