كاد تنظيم الإخوان يتربع على عرش المنطقة، فقد كانت جاهزيته للقفز على السلطة لا تضاهيها قوة في اكثر من بلد عربي. بل لقد وصل فعلا للسلطة بشكل كامل في مصر وتونس وتركيا وقطاع غزة، ووصل جزئيا في ليبيا واليمن والمغرب. الصعود المدوي ارتبط بأسباب عديدة أهمها:
أولاً : الإمكانات المادية التي تفنن التنظيم في تأمينها من خلال الدعم الخارجي من أصحاب رأس المال الخاص المنظمين والمتعاطفين مع التنظيم، ومن بعض الدول التي أغدقت عليهم الكثير، واعتمد التنظيم على مشاريع تجارية وعقارية محلية كبيرة، وعلى صناديق الزكاة، وكل ذلك مكن التنظيم من الاعتماد على الذات بحد أدنى يمكنه من الاستمرار. نجاح الإخوان في الاعتماد على الذات بحد أدنى منحهم قوة نفوذ في مواجهة القوى اليسارية والليبرالية والقومية التي أخفقت في ان يكون لها مواردها الخاصة أيما إخفاق.
ثانياً: قوة وتماسك التنظيم الذي وظف الدين في بناء شرعيته الداخلية وأضفى نوعا من القداسة على مكانة المرشد والقيادة ( مكتب الإرشاد) والدعاة ومنحهم سلطة اتخاذ القرار والبت في كل القضايا، وجعلهم في منأى عن النقد والمساءلة، ولا يغير من هذه الحقيقة وجود مجلس شورى وانتخابات وحياة داخلية لانها لا تزحزح بنية التنظيم الشمولي. غياب المراجعة وإعادة التقييم للسياسات تدعم هذا التقدير، فلم يحدث أن قام التنظيم بتخطيء سياسة من سياساته مهما كانت حمقاء، حتى عندما يتم الانتقال من سياسة الى أخرى فلا يرتبط ذلك بتخطيء سياسة سابقة، بل يقدم الموقف الجديد باعتباره صحيحا ويتم الدفاع عن الموقف القديم باعتباره كان صحيحاً ايضا. لهذا السبب فإن الحالات الناقدة داخل التنظيم غالباً ما تجد نفسها خارجه، وهنا يتشارك تنظيم الإخوان في هذه الخاصية مع كل التنظيمات الشمولية غير الديمقراطية.
ثالثا: وامتلك تنظيم الإخوان قاعدة جماهيرية قوية، هي عبارة عن فئات اجتماعية ارتبطت بالتنظيم من خلال تلبية مصالح خاصة معيشية او تعليمية او صحية على درجة من الثبات والاستمرارية، قاعدة جماهيرية مأمونة الولاء في كل الأحوال العلنية والسرية وأثناء تعرض التنظيم لإجراءات قمعية وحظر لوجوده.
رابعا: امتلاك مؤسسات خاصة فاعلة ومنظمة ومسيطر عليها في مجال التعليم ورياض الأطفال والصحة والزكاة والمصارف والمجمعات التجارية ودور حفظ القرآن والمراكز الشبابية ومؤسسات نسائية ووسائل إعلام. ونجاح تنظيم الإخوان في اختراق مؤسسات الدولة وبخاصة مؤسسات التعليم والأوقاف والمساجد والتغلغل المنظم الذي وصل إلى حد السيطرة على الكثير منها وتوجيهها بسياسة ومواقف وأساليب الإخوان. وفي مرات كثيرة كانت الحكومات تتواطأ مع تنظيم الأخوان وتبرم معه صفقات من نوع حرية العمل داخل المجتمعات مقابل عدم التدخل في السياسة والأمن او القضايا التي تشوش سيطرة النظام الكلية، حتى النظام السوري ابرم مثل هذا النوع من الصفقات، ما أدى الى تغلغل الإسلام السياسي في المجتمع وتمكنه من بناء قاعدة اجتماعية. الصفقة بين النظام وتنظيمات الإسلام السياسي كانت تطال مناهج التعليم وقانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات والدساتير لتصب في خدمة تنظيم الإخوان.
وقد كان من نتيجة ذلك تعاظم نفوذ الإسلام السياسي وسط القواعد الجماهيرية التابعة أو المحسوبة على الأنظمة وعلى قوى سياسية متناقضة شكلا مع الإخوان. يمكن القول إن الأنظمة المستبدة بمختلف أشكالها ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تقوية البنية التحتية لتنظيم الإخوان.
خامسا : استمرار دوران تنظيم الإخوان في فلك أميركا والغرب والأنظمة المحافظة المرتبطة بهما أمده بقوة كبيرة وجعله مرشحا للصعود. العلاقة كانت "طيبة" معظم الوقت، وبخاصة أثناء تحالف الطرفين ضد التأميمات والإصلاح الزراعي، والتحالف مع الأنظمة المحافظة في دعم التحولات الرجعية داخل المجتمعات العربية، وشاب تلك العلاقة توتر لبعض الوقت عندما حاول تنظيم الإخوان محاكاة الثورة الإسلامية في إيران بخطاب مناهض لأميركا، وعندما اعلن عن المقاومة الإسلامية (حماس ) تيمنا بمقاومة حزب الله، وخشية من اكتساح حركة الجهاد الإسلامي لقواعد التنظيم، غير ان تنظيم الإخوان عاد الى تحالفه مع اميركا والغرب مع اندلاع الثورات الشعبية العربية متجاوزا خلافه التكتيكي العابر معهما. ابرمت صفقة كان هدفها المشترك قطع الطريق على تحقيق الثورة الشعبية لأهدافها الفعلية وهي إنهاء علاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية. حظي الإخوان بالغطاء والتأييد الأميركي والغربي لتفردهم بالحكم مقابل التزامهم بكامب ديفيد وبعلاقات التبعية.
التنظيم الذي امتلك كل عناصر القوة الداخلية والدعم الخارجي وكان على وشك السيطرة على الحكم في معظم دول المنطقة، هذا التنظيم يتقهقر بسرعة قياسية في اكثر من موقع ومكان ويصبح خارج القانون. ماذا عدا على ما بدا؟ يجوز الافتراض أن التنظيم ساوى بين دوره في المعارضة كرافض لسياسة النظام ودوره في الحكم الذي من المفترض ان يقدم سياسة مقنعة للاكثرية، اكتفى بقاعدة اجتماعية ضيقة لتنظيم وتجاهل القاعدة الضخمة للشعب التي تغص بالاختناقات والتي تحتاج الى حلول لمشاكلها، ولم يفعل غير ترضية قاعدته الاجتماعية وصم أذنه لصوت الجائعين الهادرين. تجاهل التعدد الديني والسياسي والثقافي داخل المجتمع واكتفى بسلطة فئوية من لون واحد، ومضى في أخونة الدستور والقضاء والإعلام والحكومة ومجلس الشعب والشورى.
عندما فقد التنظيم ثقة كل الناس غير المنتمين لتنظيم الإخوان ولقاعدته الاجتماعية وهم السواد الأعظم من المواطنين فقد شرعيته. كان هذا هو العنصر الحاسم في إخفاق الأخوان في مدى زمني لا يتجاوز العام، هذا الإخفاق يعني عدم امتلاك تنظيم الإخوان لأي حلول لمشاكل الشعب التي تحولت الى مطالب للثورة الشعبية، شأنه في ذلك شأن الرأسمالية التابعة، بل انه يمثل قطبا من أقطابها، بيد ان تراجع تنظيم الإخوان عن مواقفه السابقة من كامب ديفيد ومن العلاقة مع الأميركان، وتحديدا تراجعه عن الفتوى الدينية التي حرم بموجبها اتفاقات كامب ديفيد وتعهد بإسقاطها، وتراجعه عن رفض الدعم والمعونة الأميركية للحكومة المصرية، كل هذا كشف إفلاسه في المسألة الوطنية، وعندما يكون الشعب أمام إفلاس مزدوج وطني واجتماعي لتنظيم الإخوان فإنه لن يتردد في حسم موقفه.
يبقى القول إن دخول الدول الخليجية على خط أزمة الإخوان واستخدام ازمتهم وضعفهم في صراع إقليمي وفي تنافس مراكز القوى لم يكن إلا نتيجة لإخفاقهم.
Mohanned_t@yahoo.com


