قرار سحب سفراء ثلاث دول خليجية من دولة قطر مفاجئ الى حد ما. حتى الأمس القريب، كان من المعروف أن هنالك ملفات تختلف مواقف قطر فيها عن مواقف بقية دول الخليج وأخرى تنسجم فيها معها. مثلاً، جميع دول الخليج بما فيها قطر لها موقف موحد من إيران خصوصاً فيما يتعلق بما يعرف باحتلال إيران لثلاث جزر إماراتية أو بشأن الموقف من انتفاضة البحرين، وجميعها ترغب وتعمل على إسقاط نظام الأسد في سورية، وجميعها أيضاً تعتبر أن أقصى ما يمكن تقديمه للقضية الفلسطينية هو بعض الدعم المالي. في المقابل هنالك خلافات واضحة بشأن الموقف من الأحداث التي جرت في مصر وفي كيفية التعاطي مع المعارضة السورية وحركة "حماس".
المشترك في الملفات المختلف عليها هو الموقف من الإخوان، فقطر تدعم الإخوان، فيما تسعى السعودية والإمارات والبحرين لإضعافهم. في مصر قدمت قطر لحكومة الإخوان ثمانية مليارات دولار على شكل هبات وقروض وودائع وكانت تنوي استثمار مليارات أخرى فيها قبل حدوث الانقلاب. وفي الملف السوري سعت قطر الى جعل إخوان سورية على رأس المجلس الوطني الانتقالي وقدمت لهم دون غيرهم الدعم المالي، وفي الملف الفلسطيني قام أمير قطر بزيارة حكومة "حماس" في غزة وقدم الدعم المالي والسياسي لها.
في المقابل لم تعمل السعودية والإمارات والبحرين على مساعدة مصر في عهد الرئيس محمد مرسي وقدمت في الوقت نفسه للحكومة التي جاءت بعده اثني عشر مليار دولار ووعدت بالمزيد، وفي الملف السوري تمكنت هذه الدول وتحديداً السعودية من تقزيم دور الإخوان في المجلس الوطني الانتقالي وتمكين بعض الأطراف الليبرالية فيه، وعلى الصعيد الفلسطيني تقف هذه الدول مع السلطة الفلسطينية في رام الله، باستثناء البحرين التي تريد استثمار "سُنية حَماس" في صراعها مع معارضتها الداخلية.
للوهلة الأولى تبدو دولة قطر "دينية" بسبب تبنيها للإخوان فيما تبدو السعودية والإمارات والبحرين دولاً "ليبرالية" بسبب عدائهما للإخوان، لكن لا النظام القطري "ديني" ولا السعودي "ليبرالي". جميع هذه الدول تحكمها أنظمة ملكية رغم اختلاف التسميات: جميها قائم على التوريث واحتكار الثروة، والخلاف في السياسة الخارجية بينهما لا يعني أن سياساتهما الداخلية مختلفة. "الجزيرة" مثلاً لا يمكنها توجيه انتقاد لحكومة قطر ولا يمكنها تسليط الضوء على أية ملفات داخلية متعلقة بالتبادل السلمي للسلطة في قطر ولا حتى في دول الخليج الأخرى، فهذه خطوط حمراء لا يسمح بالاقتراب منها.
الموقف القطري من الإخوان قائم على أن الإخوان لا يريدون شيئاً أكثر من السلطة وأن حصولهم عليها لن يغير من قواعد اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، لكنه سيدفعه أكثر للاستقرار، وهي رؤية تلتقي فيها قطر مع الولايات المتحدة، ولقد حاول الإخوان تأكيد ذلك عندما استلموا السلطة في مصر. حافظوا على جميع سياسات النظام القديم الخارجية- وفي القلب منها العلاقة مع إسرائيل، استمرار قطع العلاقات مع إيران، وحافظوا حتى على حصار غزة، وعلى الصعيد الداخلي لم يعادوا القوى التي دعمت مبارك وحاولوا استمالتها بما في ذلك الشرطة والجيش، وتمسكوا بالسياسات الاقتصادية الليبرالية القائمة على على اقتصاد السوق، وإخوان سورية أرسلوا إشارات عديدة برغبتهم في السلام مع إسرائيل بعد إسقاط نظام الأسد، واستخدموا المنطقة الحدودية للجولان المحتل لتوجيه أسلحتهم للنظام السوري. ورئيس حكومة "حماس" قام بزيارة البحرين للتأكيد على دعمه لحكومتها في مواجهة الانتفاضة "الشيعية" فيها على الرغم من ان "حماس" تركت سورية بحجة أنها تدعم انتفاضات الشعوب العربية للحصول على حرياتها. بشكل مختصر، قطر لا ترى في حصول الإخوان على السلطة في أية دولة عربية تغييراً أساسياً لقواعد اللعبة في العالم العربي، والإخوان قدموا ما يكفي من البراهين للتأكيد على ذلك، لذلك قطر ترى أن دعمها للإخوان فيه توسيع لدائرة نفوذها وحضورها السياسي في المشهد العربي والدولي.
في المقابل السعودية وحلفاؤها يرون في وصول الإخوان للحكم تغييراً لقواعد اللعبة السياسية في الشرق الأوسط.
على الرغم من الدلائل السابقة ومن محاولات الإخوان المستميتة للحصول على قبول السعودية والإمارات تحديداً لهما، إلا أن مواقف الدولتين، والتي اضطرت البحرين للوقوف الى جانبه بسبب الحماية العسكرية التي توفرها القوات السعودية للنظام، بقيت متشددة ضد الإخوان. زيارة الرئيس مرسي للسعودية كانت الاولى له ضمن جولاته الخارجية إلا أنه لم يحصل على دولار واحد كدعم لحكومته، ورئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان، لم يتوقف عن التبشير بسقوط الإخوان، وتم احتضان أحمد شفيق في دولة الإمارات في الوقت الذي كان مطلوباً فيه للقضاء المصري، على عكس قطر، التي لا تمانع في التغيير، طالما أن التغيير لن يغير بشكل جذري قواعد اللعبة في العالم العربي، هذه الدول شديدة المحافظة، وتخشى من أن يؤدي أي تغيير الى إثارة رغبة شعوبها هي في التغيير، وتشتد المحافظة أكثر في توجهات هذه الدول، إذا كان المستفيد من التغيير تيارات دينية سياسية مثل الإخوان لأنها تعتبر نفسها مركز "الإسلام" ومركز تصديره للخارج، وهي بذلك لا تحتاج الى من ينافسها خصوصاً إذا كان هنالك احتمال بأن يكون "التصدير" الى دولها هي وليس الى دول أُخرى.


